Saturday, February 24, 2007

لحظة فيها بكيت

عندما ذهبت مع أخي معاذ مالك وبعض أبناء الإخوان المعتقلين إلى المحكمة لحضور الجلسة الخاصة بالطعن على قرار النائب العام بالحجز على أموال عدد من أعضاء وقيادات الإخوان، كنت أظن أن أهم أسباب وجودي (إضافة إلى السبب الشخصي الخاص برغبتي في رؤية المهندس خيرت الشاطر) هو أن أكون بجانب إخواني من أبناء المعتقلين، أثبتهم وأشد من أزرهم، ظننت ذلك ولم أتخيل للحظة أن أكون أنا من يحتاج للمساندة والتثبي
فبداخل قاعة المحكمة رأيت أطفالا يحلمون برؤية آبائهم، ورأيت والدة أحد أخواني وزوجة أحد المعتقلين تبكي قلقا على زوجها من بطش النظام الفاسد ثم رأيت الأطفال يجرون بلهفة في اتجاه القفص في لحظة دخول الرجال الشرفاء الذين ما كان لهم أبدا أن يقفوا خلف قضبان، خاصة إذا كانت قضبان نظام أهان شعبه وبطش به
في تلك اللحظة حسبت دموعي إشفاقا على هؤلاء الرجال الأشراف الذين حاول النظام إذلالهم، لم أعرف ما هي حقيقة مشاعري؟ أهو الظلم الذي يدمي القلب؟ أم هي الرحمة بنساء كل جرمهم أنهم اختاروا رجالا أشرافا ومناضلين صالحين ليعيشوا معهم؟ أم هي الشفقة لحال أبناء وبنات تتقطع قلوبهم حسرة ولا شك على ذويهم المعتقلين، وتتفوق في قلوبهم مشاعر حب الوطن والاستعداد للتضحية من أجله على الأنانية والرغبة في العيش الهادئ؟
ثم رأيت ذلك الرجل الشامخ الذي لا يعرف قدره إلا الشرفاء، والذي يبذل من ماله ووقته وصحته وعمره في سبييل هذا الوطن من دون أن يمن بذلك على أحد، ومن دون رغبة في شهرة أو صيت، أو ظهور إعلامي، حتى قال البعض عنه الصقر الكامن ظلما وعدوانا، رأيت المهندس محمد خيرت الشاطر خلف الأسوار
ما هذا الطلم؟ الشاطر في زنزانة وصاحب العبارة في لندن؟
الشاطر في زنزانة ووزير الثقافة في موقعه رغم دماء قتلى مشرح قصور الثقافة؟
الشاطر في الزنزانة ووزير النقل في وزارته بالرغم من مئات المصريين الذين زهق الفساد أرواحهم؟
الشاطر الذي ربى أسرة يعرف من يراها في محنتها في قاعة المحكمة صلاح وإخلاص وتقوى خيرت الشاطر وحبه لدينه ووطنه؟
الشاطر الذي تعلمت منه شخصيا كيف يترجم حب الوطن إلى عمل دؤوب وجهد مخلص وتضحية لا حد لها، أتمنى أن أكون قد تعلمت
دارت كل تلك الخواطر بعقلي وأنا أنظر إلى المهندس خيرت، الذي لم ينل الفاسدون من عزيمته، ولم ينل الظالمون من إرادته، ولم ينل السجانون من تفاؤله، فجلس داخل القفص مبتسما يتحدث إلى أهله وأظنه كان يطمئنهم ويشد من أزرهم
كنت أنظر إليه وأحاول السيطرة على دموعي، ثم جاءت لحظة لم استطع معها صبرا على البكاء، لحظة أن نظر لى المهندس خيرت وأشار لي ملوحا بكلتا يديه ووجهه تعلوه ابتسامة مشرقة متفائلة أراها من خلف قضبان أحال بها الظالم بينه وبين الحرية، لم أتمالك نفسي، وانهمرت مني دموعي
ليس هذا مكانك ياباشمهندس خيرت، فإنما مكانك التكريم؛ فوالله ما رأيت من هو أشرف منك
ووالله ما رأيت من هو أكثر منك عطاءا لهذا الوطن
وتقبلا للخلاف في الرأي
ومحبة لكل العاملين لهذا الوطن
واحتضانا لمخافيه في الرأي
ليس هذا مكانك يا باشمهندس
فشهاهداتك العلمية الأكاديمية
ومسيرتك العملية الناجحة
ورحلتك الدعوية المباركة
وشهادة كل من عرفك وتعامل معك
كل ذلك ينطق فيقول إنك مظلوم، وإن جرمك هو أنك تحب وطنك، وذنبك أنك رفضت السير في ركاب الفساد والمفسدين
مرت لحظات أو دقائق لا أدري بها، أنظر إلى خيرت الشاطر المبتسم ولا أدري أبتسم أم أبكي؟
ثم جاءني النداء من شقيقه الأستاذ بهاء الواقف أمام زنزانته يناديني للسلام عليه
لم أفكر كثيرا، فتلك لحظة طال لها انتظاري، اشتقت إلى خيرت الشاطر الذي لم أره منذ أسابيع لم تعد قليلة
سرت مخترقا الزحام مسرعا وأنا أتلهف للكلام مع المهندس خيرت
ولما وصلت إليه كانت لهفتي للحديث إليه قد أنستني الحديث، فلم أعد أدري ماذا أقول له؟
رحب بي بابتسامة وقال "إزيك يا إبراهيم؟ أخبارك إيه" فرددت قائلا: إزيك يا باشمهندس والله واحشني
لم أدري لماذا لم أجد ما أقوله، ربما لأن الموقف لا يحتمل الكلام، وربما لأن القلق من الحكم تملكني، وربما لأنني كنت أريد أن استمع أنا إليه
تنقلت بعيني بين الجالسين في القفص، فرأيت محمد حافظ وألقيت عليه التحية فردها مبتسما متفائلا، ثم عدت مرة أخرى للمهندس خيرت ورددت ما كنت قد قلته من قبل: والله يا باشمهندس واحشنا أوي، فقال: وإنت كمان يا إبراهيم
نظرت أمامي فرأيت الحاج حسن مالك على بعد خطوات قليلة مني فذهبت إليه أحييه قائلا: السلامو عليكو يا حاج حسن، (وكان هو قد لوح لي بيده عندما كنت في الطرف الآخر من القاعة،) وحال حديد القفص بيني وبينه فلم يعرفني، وذاك رجل أخر مكانه ليس أبدا خلف القضبان، ذاك رجل جعله الله سببا لفتح بيوت مئات المصريين البسطاء، وكلهم يحبه لأخلاقه ولتواضعه ويشهد الله أنني رأيت الحزن والألم والوفاء له من العاملين في شركاته بعد اعتقاله وقال لي بعضهم ما فعله الحاج حسن معه من إحسان وتواضع فازداد حبي له وتقديري، وهو رجل أحبه من قديم، تعرفت عليه يوم وفاة جدي المأمون رحمه الله حين شهد غسله وتكفينه
لم يعرفني الحاج حسن حتى تحركت قليلا فرآني من بين قضبان الحديد، فحييته ورد التحية مرحبا مبتسما كعادته وكان أمامه على الجانب الآخر من القفص طفلين صغيرين، ارتدى كل منهما تي شيرت عليه صورة الحاج حسن وعبارة قصيرة؛ إنهما أنس وعائشة حسن مالك؛ طفلين من بين أطفال أبرياء حال النظام الفاسد بينهم وبين ذويهم. في تلك اللحظة فقط أدركت أن للمعتقلين أهل أولى بالحديث معهم مني فابتعدت، وعدت إلى الجانب الآخر من القاعة لأترك المجال لأبناء المعتقلين وزوجاتهم للحديث معهم
عدت للجانب الأخر من القاعة وأنا لا أدري ما الذي أفقد لساني النطق
ولم أتكلم بعد ذلك إلا عندما هتف الحضور بحب مصر، وبالدعاء على المفسدين، والدعاء لمصر بالخير
ثم نطق القاضي بالحكم، وأجل القضية أربعة أيام
وسمعت صوتا قويا ألفته يخرج من بين القضبان الحديدية وينطلق نحو آفاق الحرية لا يحده عنها حد، إنه صوت الشاطر الذي انطلق هاتفا للعدالة والحرية، ثم داعيا على الظالمين، ثم متحدثا في قوة وثبات عن الأسباب الحقيقية للاعتقالات، وسرقة الأموال، ومحللا الأوضاع الراهنة على الساحتين المحلية والإقليمية، مهاجما الفساد والفاسدين والمفسدين بكل قوة، ومن دون أي يهتز له طرف، ومن دون أن يهادن أو يلين، موقفه الواضح أسكت الجميع، وأسمع الجميع صوت الحرية من داخل السجن
ثم جاء الرد من خارج القفص من ذات الأسرة الكريمة، فتحدثت ابنته عن إصرارها والعائلة على المضي قدما في طريق الإصلاح مهما حدث لأبيها وأسرته،وثقتها في أن الحق لن يضيع، وأن الحبس والحجز على الأموال لن يزيد أبيها إلا قوة زإصرار على إصلاح الوطن فدخلت الكلمات الصادقة إلى قلوب الحضور، وأخرجت من أعينهم الدموع
ثم خرجنا بعد ذلك إلى خارج القاعة، ننتظر خروج المعتقلين إلى عربة الترحيلات لنلقي عليهم نظرة أخرى؛ فلما خرج الشاطر هتفت بأعلى صوتي أملا أن يسمعني (السلامو عليكم يا باشمهندس خيرت، ربنا معاكو يا باشمهندس) ولم يأتني الرد
فقد كان يسأل أهله عن موعد الزيارة
ثم خرج الشاطر في سيارة الترحيلات إلى سجن يقضي فيه أياما من الظلم، ويعاني فيه الاستبداد والقهر، ويصر على أن يواجه حتى وهو في داخله الفساد والمفسدين، وخرج وكانت آخر كلماته التي خرجت من السيارة من فسمعتها من دون أن أراه: أستودعكم الله
فرد الحضور جميعا،ومضت العربة
ووجدت نفسي أتمتم لا إراديا: والله إني أحبك في الله
فلم يسمعني الشاطر

9 comments:

m_elmenofy said...

فعلا كل كلمة انت كتبتها حقيقى اخواننا بيحسوها
انا اختى حضرت المحاكمة مع اخت صاحبتها و حكتلى ان هناك كانت ملحمة من العواطف و التاييد و المؤازرة مش بس من الاخوان لا كمان من العساكر الحرس الهناك كان بيتعاملوا مع الاشراف المظلومين و هم حاسين بيهم
باذن الله كلمتك الاخيرة صلت للبشمهندس الحبيب حسها بقلبه قبل ما يسمعها بودانه
"ام حسبتم ان تدخوا الجنة و لما يعلم الله الذين جاهد منكم يعلم الصابرين" صدق الله العظيم

يلا مش مهم said...

الهضيبي مدونا
اخيرا افرجت عن قلمك
دائما كان لسانك حرا ولكن قلمك محبوس في ادراج النشاط الجامعي وحضور النماذج والانشطة التي لا نراها نحن ابناء مصر الذين لم ينعم علينا بنظام نشاط طلابي كالجامعة الامريكية
المهم الف مبروك علي قرار اخلاء سبيل قلمك
وفعلا التدوينة رائعة ولكني الوم عليك انك كتبت عن الشاطر
عارف ليه
لاني قاعد من مدة احاول اجمع نفسي علشان اكتب عنه بس مش عارف
الراجل ده ما يتكتبش عنه في تدوينة او موقع او كتاب
فعلا مش عارف ممكن يتكتب عنه ازاي
بس علي العموم قما كتبته وما ساكتبه انا وما سيكتبه الاخرين هو قطرة في بحر الشاطر
ةوصدقني الشاطر اقور واكبر من سجانه الخسيس اللي مقدرش يواجهه غفي ارض المعركة وبشرف فلجأ للحبس والمصادرة
وعلي العموم
الشاطر هيفضل علي طول شاطر حتي في سجنه
ويللا مش مهم

أروى الطويل said...

والله حرام انا بجد بجد اعصابى تعبت اوى ارحمونى الواحد مش ناقص


بس بجد تدوينه هايله ربنا يوفقك

اسرة خيرت الشاطر said...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الاخ الفاضل ابراهيم
تأثرنا كثيرا بكلماتك الصادقة جعل الله ذلك في ميزان حسناتك كما أثر فينا حقا ما حدث اليوم في زيارتنا من تأثر والدنا الشديد الذي وصل الي درجة البكاء عندما قرأ كلماتك وقال لنا ان ما اثر فيه ما ذكرته بخصوص موقف القفص حيث انك حينمالم تتكلم امام القفص (لا تعرف ان كان الخوف من الحكم..........الخ)لم يتكلم هو الآخر هل تعرف لماذا؟؟ لانه كان هو الآخر يبكي تاثرا برؤيتك باعتبارك شخصا قريبا الي قلبه وتحتل مكانه خاصة جدا عنده فتملكته العبرة ولم يتمكن من الكلام وتكررت الدموع مرة اخري في الزيارة عندما اطلع علي مشاعرك ساعتها التي كان يبادلك اياها دون ان تعلما انتما الاثنان وهنا تاثرنا ربما برؤية دموعه ولكن ليس بقدر تأثرنا بهذه الصورة النادرة من الحب الصادق في الله واوصانا ان نخبرك انه لم يسمعك عند دخوله السيارة ولكن يشهد الله انه ايضا يحبك جدا في الله ندعو الله لكما ان يجعلكما علي منابر من نور وان يديم محبتكما فيه واعلم ان صدق مشاعرك ليوم اسعدتنا بقدر ما ابكتنا فجزاكم الله خيرا
اسرة المهندس خيرت الشاطر

elbahr said...

بسم الله الرحمن الرحيم

يشهد الله اني احبكم في الله

اللهم فك قيد اسرانا واسرى المسلمين

جزاك الله خيرا

البحر
http://ana-elbahr.blogspot.com

fnan_geology said...

حسبنا الله ونعم الوكيل
وسلاااام

elfagreya said...

سلام عليكم,,

أخى ابراهيم..أدام الله عليك صدق المشاعر.. كنت هناك ولكن عندما قرات تدوينتك عدت الى قاعة المحاكمة ثانية..فجزاكم الله خيرا فقد كانت لحظات رغم ما تحمله من شعور بالقهر الا ان ما فيها من عزة وكرامة يكفى لان أشكر من أعادنى اليها مرة أخرى
وأرى ابائى مرة اخرى
وأسعد بانتمائى مرة أخرى أيضا

Anonymous said...

اخي ابراهيم كلماتك دائما جميلة ومشاعرك جميلة والله انا لا اعرف انبكي لفراك احبتنا ام نبكي لفقدان اهاليه اغلي الناس عندهم ام لفقدان اصحابهم واحبابهم اعزالنا اليهم ولكن ان بعد العسر يسرا وان بعد الليل فجرا
هاجر

همسة قلم said...

كل كلمة كتبتها اخى ابراهيم اخترقت القلب وأفاضت الادمع من العين
وجعلت لساني يتوقف عاجز عن ان ينطق شيئا او يقول حتى ما شعر به في تلك اللحظة التي قرأت فيها تلك الكلمات الصادقة
وعشت معها ذات الشعور الذي وصفته انت بالكلمات
نسأل اللهم أن يجمعكم بالمهندس خيرت الشاطر تحت ظل عرشه يوم لا ظل الا ظله
أدام الله هذا الحب الخالص فيه دائما وابدا