Monday, July 16, 2007

ربط الأمة بمقاصدها؛ مقالة نشرت في المسلم المعاصر

السلام عليكم
هذا هو الجزء الأول من مقالة سبق أن نوهت عنها نشرتها لي مجلة المسلم المعاصر، أسأل الله أن ينفع بها
أعرف أن المعنى لن يكتمل إلا باكتمال المقال
ولكني أعرف أيضا أن طوله لا يناسب المدونة، ولذلك قسمته إلى أجزاء
أزمة الفكر الإسلامي محاولة لدفع الأمة لتغيير واقعها وتحقيق أهدافها ومقاصدها (1) من الممكن أن ننظر للواقع الإسلامي والمشكلات التي يعاني منها على الأصعدة المختلفة على أنه انعكاس لأزمة الفكر الإسلامي المعاصر، الذي يعاني قبل كل شيء من عدم الاعتراف به وبدوره، كما يعاني من أزمة في تعريف دوره وحدود حركته وحريته وواجباته. وحتى أكون أكثر تحديدا فسأحصر ما أقصده بـ(مشكلات الواقع الإسلامي) في مشكلة مشكلات هذا الواقع وهي مشكلة غياب الهوية، أو غياب فهم الذات والقدرة على تحديد العناصر (الأساسية..الأبدية) المكونة لتلك (الذات) وتمييزها عن نظيرتها الفرعية أو (التحسينية) و(الظرفية..التاريخية). وقد أدى هذا الخلط أو الاختلاط إلى غياب القدرة على التعامل مع الآخر حتى أصبحنا حسب تعبير المستشار طارق البشري (نقف على أرض الوافد أو أرض خليط ونتحدث عن التراث بضمير الغائب، ونتحاور فيما نستحضره منه بعد أن كنا في الماضي نقف على أرض الموروث، ونتحاور فيما يصلح لها من حضارة الغرب وأدواته لندخله عندنا. ونحن نتساءل الآن عما نستدعي من التراث بعد أن كان آباؤنا يتساءلون عما يأخذون من الوافد). بل والأدهى من ذلك أن موقفنا هذا (الذي نظنه وسطا، وهو من الظن الآثم، لأن وسط الشيء أعلاه، الوسط هو الموقف الدارس لكل الأطراف والذي يأخذ موقعه بوعي حتى يستفيد من مميزات كل طرف ويطرح عيوبه، وليس موقف اللا موقف) لم يشفع لنا في تقدم ولم يجرنا من جبروت الأمم ولم يمأسس لهوية جديدة ننطلق منها، بل صرنا أمساخا (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) (كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران)، وكان من نتيجة ذلك أن ضللنا الطريق؛ فلم نعد نستطيع السير ولم نعد نعرف أهدافنا وواجباتنا ودورنا في هذه الحياة واستحال مع ذلك وجود أي أمل في التقدم والنهوض. وذلك مرده في رأيي إلى أزمة فكرية طاحنة تعاني منها (الحالة الإسلامية المعاصرة)، سواء المتمثلة في قواها الحركية السياسية الإصلاحية أو الجهادية، أو قواها الفقهية والثقافية. وتلك الأزمة هي باختصار العجز عن التفرقة والتمييز بين مستويات النظر المختلفة في أي أمر من الأمور؛ العجز عن التفرقة بين المستوى (الأخلاقي..الفلسفي..المعرفي الكامل) ومستوى (الإجرائيات..الآليات) ومستوى (الظواهر..النتائج.. التجليات) وما يترتب على ذلك من حكم على الأشياء بصورة قاصرة وخاطئة وتكوين أحكاما وصورا عقلية غير سوية. ويتعلق بذلك –وربما يسببه – غياب منهج واضح للتعامل من الواقع وتحليله والقيام بعمليات (الفك والتركيب) اللازمة لذلك، سواء أكان ذلك بغرض التعامل معه وتكييف الأوضاع بما يتناسب معه، أو بغرض تغييره ودراسة الوسائل المؤدية لذلك من سنن كونية واجتماعية. وهذا النوع من الفهم للواقع ودراسة أساليب التعامل معه وتغييره هو ما يسمى إسلاميا بـ(فقه الواقع). ولعل اللافت للنظر أن هذا النوع من الفقه لم ينل حظا من المأسسة والإهتمام والشهرة كتلك التي نالتها مجالات أخرى كفقه المقاصد والمصالح والأولويات والمآلات. (2) أما عن سبب تميز الحالة الإسلامية المعاصرة عن غيرها في التأثر بفهم الواقع هو لأن الأمة تملك نصا مقدسا جاء من (خارج التاريخ) يمثل وضعا مثاليا وطريق الوصول للمثالية في آن واحد. وهذا النص في تقديمه للمثالية لم يقدمها في صورة ستاتيكية جامدة لا تتغير بتغير العصور، وإنما وضع لها ثوابت وضوابط؛ ثوابت تتناسب مع انعدام صفة التاريخية عن النص، وضوابط تتعامل مع التطورات الإنسانية والمجتمعية وتضعها داخل إطار ديناميكي من دون أن تجعل ذلك مدعاة لتعارضها مع الثوابت؛ وبذلك يكون الوضع المثالي إسلاميا هو معتمد جزئيا على فهم الواقع ومنجزات الحضارة الإنسانية العامة من دون أن يكون هذا الواقع وتلك المنجزات مسيّرة له أو متحكمة فيه، بل يبقى هو المتحكم والضابط والميزان الذي تٌقاس وتُقيَّم به هذه المنجزات. أما عن طريق الوصول لتلك المثالية والتي قدم لها الإسلام فتتمثل في أن الإسلام نزل على أناس انشغلوا من أول الأمر بتطبيقه فأصبحت حياتهم موجهة للوصول لهذه المثاليات وكانت كل لحظة وكل خطوة يخطوها في هذا الاتجاه تمثل في ذاتها حكما إسلاميا وليس طريقا للوصول للحكم الإسلامي فحسب. فنزلت الأحكام الإسلامية متدرجة مراعية للواقع الذي بدأ فيه الإسلام ضعيفا فقيل للمؤمنين (كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة) ثم وصل المؤمنون للقوة التي تمكنهم من بناء الدولة فبنوها ثم واجههم العرب وهددوا دولتهم فشُرع القتال (أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير). وكانت الخمر في أول الأمر مباحة فذمها الله أولا من دون تحريمها (قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) وظلت في حكم المباح ثم حرمت في أوقات الصلاة (ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) وظلت فيما دون ذلك مباحة لا يلوم الشرع شاربها وشربها صحابة الرسول وهم أحرص الناس على اتقاء الشبهات حتى نزل قول الحق تعالى (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) فسمع الصحابة وأطاعوا وغرقت شوارع المدينة بالخمر بعد أن طرحها أهلها من منازلهم. تدرج الإسلام كذلك في أحكامه مراعاة للواقع فجعل الدعوة مقدمة على الدولة، وعلّم الناس أمر ربهم لما جهلوا به ثم علّمهم الحلال والحرام حتى قال بعض الصحابة أن الأمر لو كان خلاف ذلك لما استطاعوا تنفيذ ما أمر الله به. بل إن فقه الواقع وفهم أبعاده – كما يقول الدكتور أحمد بوعود - كان جزءا هاما من رسالة الأنبياء الذين بعثوا لتغيير هذا الواقع وإصلاح ما فيه من فساد سواء أكان ذلك الفساد هو ظلم اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي أو أخلاقي، ومراجعة سورة هود تغني عن التفصيل في هذا المقام. كل هذا جعل رؤية الفقيه للواقع وتوصيفه له أمر له بالغ الأثر على ما يصدره من اجتهادات وأحكام فقهية، ويكفي للتدليل على ذلك الإشارة إلى رؤية الإمام أبي حنيفة للواقع وكيف أنها كانت ذات أثر كبير على ما أصدره من أحكام فقهية. فالإمام – رضي الله عنه – رأى العالم مقسما إلى قسمين؛ دار الإسلام ودار الحرب، فجعل لكل منهما أحكاما مختلفة عن الأخرى بما يحقق مقاصد الشريعة ومصالح العباد. وذلك التصنيف لأبي حنيفة ليس شرعيا، بمعنى أنه لم يتم استخلاصه من نصوص الشرع، وإنما هو تصنيف مبني على رؤية الإمام لأحوال زمنه وطبيعة الأمور فيه. (3) من هنا نتعلم كيف أن للواقع أثر عظيم في الحكم الفقهي، بل يمكننا القول أن الفقه – من حيث هو تنزيل أحكام الشرع على الواقع بالأسلوب الذي يظهر جليا في غير الأمور التعبدية المحضة التوقيفية الطبيعة- هو منتج عملية اجتهاد تتعامل في اتجاهين مختلفين (كما هو مبين في الرسم التوضيحي 1)أولهما هو الإجتهاد في فهم (النص) سواء أكان هذا النص قرآنا أم سنة، ويجب أن تتوافر في القائم على هذا الأمر مجموعة من الشروط منها العلم باللغة العربية، والناسخ والمنسوخ من الآيات والأحاديث وترتيب وأسباب نزولها، والإلمام بكافة النصوص المتعلقة بالموضوع حتى يكون اجتهاده مبنيا على علم، وتلك –فيما أرى – هي الشروط التي يمكن معها القول بأن العالم (استفرغ الوسع) في محاولة الوصول للحكم الشرعي في المسألة، بحيث يصبح له –إن صدقت نيته- نصيب من الأجر والعذر وإن أخطأ في حكمه. بهذا الطريق نصل إلى الحكم الشرعي؛ ثم نصل بالطريق الآخر إلى تنزيل هذا الحكم على الواقع. هذا الطريق الآخر يعتمد على رؤية المفتي للواقع وتحليله له وتقييمه له في ضوء المقاصد العامة للشريعة؛ ذلك لأن الإسلام –وإن اعترف بفساد الواقع إن كان فاسدا كما أسلفنا- فإنه لا يقبل الاستسلام لهذا الواقع بل يسعى لتغييره. ولكي يكون هذا التغيير إسلاميا فيجب أن يكون مربوطا بالمقاصد العامة للشريعة.إذن الاجتهاد يصل الشريعة بالحياة عن طريق إعمال العقل البشري مرتين مع شيئين مستَمَدَين من الشريعة؛ إعمال العقل في فهم نصوص الشريعة، وإعمال العقل في ربط الواقع بمقاصد الشريعة وتحريكه نحوه.

9 comments:

Anonymous said...

SA
Brother Ibrahim
can u plz make the scle of the pic smaller than this b/c elkalam msh wade7 7'ales


looking forward for the rest of the article
JAK

محمود سعيد said...
This comment has been removed by the author.
محمود سعيد said...

يبدو أن هذه هى المقدمة فقط
لذلك فأنا فى إنتظار البقية

فالفقرة الأولى يمكن ملتبسة عليا شوية ، لكن أقدر أقول إنى فهمت منها أن المشكلة أصلاً أن الأمة مش منقطعة عن أصولها وبس لأ وكمان منقطعة عن واقعها وعن الفكر اللى لازم يكون معاصر أصلاً لأنه هو محرك العمل وبالتالى لن يستطيع التعامل مع الواقع إن كان هو هو فكر إمبارح ، والأمة محتاجة عمل علشان تنهض .

بينما النقطة الثانية والثالثة مفيش كلام عليهم (بمعنى موافقتى على ما ورد فيهما)

حاجة بهزار كده
لو بتضايقك تعليقات المعلقين السخيفة تلك التى تحكم على شخصك وتزن أفعالك و و و ....

يبقى أنشر نفس هذه النوعية من الكتابات مش هتلاقى حد منهم فاهم حاجة :-)

Anonymous said...

شكر الله لك أيها الفاضل هذه المقالة الرائعة التي تجيب عن مشكلات الحياة المعاصرة... لقد لقيت في نفسي تجاوبا كبيرا.... حفظك الله ورعاك
ونحن في انتظار ما تبقى منها
حياك الله

هاني جابر said...

السلام عليكم
ما شاء الله مقدمه رائعة لمقال اجمل
ربنا يباركلك ويجزيك خير
فعلا مدونة جميلة جدا
ياريت تشرفني بزيارتك مدونتي

عبدالرحمن عياش .. مدونة غريب said...

كلام رائع يا ابراهيم
أعجبتني كلماتك جدا عن تميز الحالة الاسلامية
فعلا كلام منطقي و رائع
جزاكم الله خيرا
تستاهل تحية بجد
سلام

alnagar said...

عزيزي ابراهيم
هذا مكانك وهذا ميدانك
فلا تنشغل عنه بما لاينفع
وأحكم الزاد فان السفر طويل
الي الأفضل دوما أيها المتحدث الرسمي
باسم الجيل الواعي
وبارك الله فيك
ورزقك الثبات علي الحق دوما
مصطفي النجار

Anonymous said...

feinak ya oustaz, waiting for ue articles

أخبار مصر لحظة بلحظة said...

أول مرة أزور مدونتك القيمة .. تهنئتي لك على المجهود المبذول والرائع..
ميدان التحرير الان
أخبار مصر لحظة بلحظة
ثورة 25 يناير