Sunday, July 15, 2007

الباشمهندس

لفت نظري في قراءتي لأحد الكتب عن سيرة الفاروق عمر بن الخطاب، وأظنه كتاب شهيد المحراب عمر بن الخطاب- قول المؤلف أنه يكفي عمر فخرا أنه إذا ذكر اسم عمر في كتب التاريخ مجردا انصرف تلقائيا إلى ابن الخطاب ولا أريد أن أكون مبالغا، ولكن في الحقيقة أنه في هذا الزمان، إذا ذكر لقب (الباشمهندس)، على الأقل في أوساط كثيرة انصرف إلى الباشمهندس خيرت الشاطر فمنذ أسابيع، وفي ليلة سفري، كنت مع أخي وصديقي معاذ مالك، ثم حان وقت قيامي للقاء كان يجب أن أحضره، فقلت لمعاذ (أنا لازم أروح أشوف الباشمهندس)، قاصدا بذلك المهندس خالد، فتعجب معاذ لأن (الباشمهندس) معتقل وكنت قبل أشهر، وقبل اعتقال الباشمهندس خيرت مع أحد الأصدقاء، وكان يوم الإثنين، يوم محاضرة الفقه الإسبوعية للمهندس محمد سعيد، فسألني صديقي (هتعمل إيه بالليل) قلت له هاحضر درس الباشمهندس، فقاللي هو المهندس خيرت له درس إسبوعي؟
الباشمهندس خيرت الشاطر أعرفه اسما وشكلا من سنوات، لكني لم أتعرف عليه عن قرب إلا من سنتين تقريبا وأذكر زيارتي الأولى له في مكتبه، وكان في واحد صاحبي واخدلي معاد، بس غالبا نسي ياخد المعاد، فمش هقول إسمه إيه بس هو عارف نفسه، وعلى الرغم من عدم وجود موعد مسبق، والانشغال الشديد والدائم للباشمهندس، فقد خرج إلي ورحب بي، وجلس يناقشني فيما كنت جئت من أجله بصدر رحب، وأعطاني يومئذ من وقته الكثير، وناقشني ببشاشته المعهودة، ورؤاه العميقة، فخرجت من عنده وقد أحببته في الله أشد الحب، ولم يكتف بذلك، بل أنه لم ينس الموضوع الذي جئت إليه من أجله، فلما جاءه زائر عنده بعض الخبرة في هذا الموضوع، اتصل بي للحضور الجلوس معه للاستفادة من خبرته
(ملحوظة: بعد نشر التدوينة اتصل بي أخي وصديقي اللي كان المفروض ياخدلي المعاد، وأكد لي إنه خدلي معاد وإن خالد هو اللي نسي يسجله عنده، وبالتالي خالد هوا الغلطان، وإلى أن يؤيد خالد هذا أو ينفيه، فخالد هو الغلطان، وأنا مسامح، المهم إني دخلت في الاخر والحمد لله)
وتوالت اللقاءات بعد ذلك، ومع طولها تعرفت على خيرت الشاطر الإنسان، البسيط، صاحب الحس الفكاهي الرائع، طويل البال، ثم تعرفت منه على سيرته، وعلى رحلته مع العمل الوطني منذ كان طالبا بالمدرسة، ثم بجامعة الأسكندرية، ثم سفره، ومنذ كان ناشطا يساريا، وحتى انضم للحركة الإسلامية، ثم للإخوان المسلمين له كلمة لا يمكن أن أنساها، كان يقولها كلما طلب مني شيئا، كان يقول (يشترط الرغبة قبل الإخلاص)، فهو ليس يحب أن يثقل على أحد بواجبات ومسؤوليات لا يريدها هو ذات يوم، وكنا في لقاء طلب مني أحد الحضور طلبا ولم أكن أدري ما الهدف منه فسألت، فرد قائلا: خلصه بس ونبقى نتكلم، وهنا تدخل الباشمهندس قائلا: يا عم بلاش الكلام ده مع إبراهيم، ده هيفهم إنتا عايز إيه هيشتغل، شغل اسمع الكلام وخلاص ده مابينفعش هنا، قالها مبتسما فضحك الجميع فعلا أعجز عن الكتابة، فالبحر لا يختصر في قطرة أبدا ذات يوم دار لقاء بينه وبين أحد أساتذتي الأكاديميين، وعندما كنت في السيارة مع أستاذي بعد اللقاء في الطريق إلى بيته ظل صامتا لفترة ثم قال: إنتو عايزين إيه تاني يا إبراهيم؟ إنتو عندكو كل حاجة. أنا مفيش أي إضافة ممكن أضيفها مع وجود إنسان زي ده، ده فاهم كل حاجة في كل حاجة ويعرف كل حاجة، البلد دي لو فيها 2 أو3 منه مكانش بقة حالها كدة أتذكر من مواقفه الإنسانية الرائعة أنه كان يتصل بي في العيد قبل أن أتصل أنا، ووالله كنت أفرح أشد الفرحة لما كان يتصل، وكان دائما في المناسبات أسبق بالسؤال عني وعن أسرتي، وعن جدتي بارك الله في عمرها قفشات الباشمهندس لم تتوقف في محبسه، فقيود السجان أضئل من أن تنال من قوة هذا الرجل، فقد روى لي من سجن معه قبل بضع سنوات أنه لما مان الضيق يشتد على أحد المعتقلين، ويظهر عليه التأثر ويدعو على من ظلمه، كان الباشمهندس يخفف عنه بدعاء بزجل لا أذكر نصه، وقد نشرته إخوان أون لاين قبل أسابيع وفي الاعتقال الأخير (وسيكون الأخير بإذن الله) لم تتوقف قفشات الباشمهندس، فالتهمة الملفقة للجميع هي (غسيل الأموال)، ومن المعتقلين في القضية الأستاذ أحمد أشرف، مدير عام دار التوزيع والنشر، فقد نقل لي أحد الأصدقاء أن المهندس استقبله في السجن قائلا: كلنا هنغسل، وإنتا هتنشر وقد علق على الكذب الذي ذكرته الأهرام، من أن نائب الإخوان في المنوفية هو الذي ضرب ضابط أمن الدولة والقوات المصاحبة له لا العكس قائلا: ضربهم كلهم؟ ده مش سوبر مان ده سوبر إخوان وحتى في أحلك اللحظات، وقت الإحالة للعسكرية، القرار الظالم الذي سيسئل عنه أمام الله من أصدره ومن وقعه ومن كتبه ومن أيده ومن سكت عنه، في تلك اللحظة لم يفقد الباشمهندس حسه الفكاهي الذي يعكس قدرا كبيرا من الثقة في الله، ومن التفاؤل، فقال معلقا على ما كتبه (المخبر العبيط) إياه في الأهرام، من أن قرار الإحاله سببه أن الإخوان لا يؤمنون بالقضاء المدني باعتباره وضعي، قال:
هو فعلا صحيح إن القضاء العسكري يحكمه (واحد) ولكنه ليس (الله الواحد) ثم قال معلقا على الأمر ذاته في جلسة التحفظ على الأموال (وكأن القضاء العسكري أصبح مربوطا بالوحي) وإن نسيت‘ فلن أنسى يوما كلمات المهندس خيرت، في كل من جلسات التحفظ، في الجلسة الأولى حين قال (مهما النظام عمل، أملنا في ربنا كبير، وثقتنا في الله عز وجل لن تنتهي، مش لو أخدوا فلوسنا، لو أخدوا أرواحنا، سيظل وفاءنا لدينا ولدعوتنا ولبلدنا، وإحنا أصحاب الحق في هذا البلد، وهؤلاء البغاة الطغاة مهما صنعوا فلن نتراجع عما نؤمن به، وسنظل جنود لهذا الوطن، نسعى لتحقيق نهضته، والقضاء على الفساد والتخلف والاستبداد) وفي الجلسة الثانية، تلك الجلسة التي رأيته فيها بعد طول غياب، وتأثرت لذلك كثيرا، حين تحدث عن ملابسات القصية، وعن أسباب ما يتعرض له الإخوان، وحين خلع قلوبنا أثناء دعائه وهتافه، فقد كنت أدعو الله أن يسلمه، فقط يسلمه، فصوته كان يدل على حالة من الغضب والاحساس بالظلم لا أظنه وصل إليها من قبل
والباشمهندس خيرت لا يتخلى عن تفاؤله وثقته في الله مهما أظلمت الصورة، وأذكر أنه قبل الإعتقال بأشهر كان يتوقع أن يضغط النظام على الإخوان لتيسير التوريث، وكان يروي السيناريوهات المختلفة المتوقعة وكلها سيء، وكلها كانت تقول إن الإخوان بين طرفي الكماشة، ولكنه مع ذلك كان يرى الأمل، ولا يزال، ففي آخر مرة تحدثت معه كان بشوشا كعادته، ينقل إلي الأمل كعادته، ويفكر ويخطط لمستقبل بلده كعادته، بنفس التفاؤل والثقة، رغم المحاكمة العسكرية، وأذكر أنه قبل أيام معدودة كنت أتحدث مع أحد أبناء المعتقلين فقال كلمة معبرة جدا: يا ريت يبقى عندي اليقين والثقة بتوع الباشمهندس خيرت، مهما الدنيا ضلمت بنلاقيه برضه هادي ومتفائل
لا أعرف ما الذي يمكن أن أقوله عن المهندس خيرت
فهناك من يستطيع التحدث عنه أفضل مني بكثير
وقد حاولت الإشارة إلى بعض مآثره من قبل، أكثر من مرة، ولا أظن الكلمات تكفي لهذا الأمر
ثم أن هناك العشرات ممن تحدثوا عنه بالفعل
وكل ذلك لم يوفيه حقه
وقد آثرت أن أشير فقط إلى بعض مواقف من إنسانيته، حتى يعلم من لا يعلم كيف يكون التوازن، وكيف تكون الإنسانية
في هذه الأيام، يعلم الله مدى الحزن الذي أشعر به حينما أمر من تحت مكتب الباشمهندس خيرت، أو من أمامه للذهاب لأحد أصدقائي القاطنين في نفس المبنى
أمر فأتذكر أياما تعلمت فيها كيف يكون حب الوطن عملا لا قولا، وكيف يكون الانتماء للفكرة وليس للتنظيم
وأتذكر كيف أن هذا المكان سيشهد لأقوام قضوا فيه ساعات وأيام يعملوا لرفعة بلادهم وأمتهم، وكيف أنه سيشهد على آخرين، كرهوا لبلادهم الخير والإصلاح، من أجل المحافظة على مصالحهم الضيقة، ولما كانت حجتهم ضعيفة فقد استبدلوا قوة الحجة بحجة القوة، فأغلقوا المكان و(شمعوه)، وحسبنا الله ونعم الوكيل مواقف كثيرة وكثيرة جدا أذكرها للشاطر، أسأل الله أن يفك أسره وقد كنت في التدوينات السابقة حينما أكتب عن أحد أساتذتي الذين أثروا في أسأل الناس لهم الدعاء، وأن يقرأوا أعمالهم
ولكن مع المهندس خيرت الأمر مختلف
فهو الآن يدفع ضريبة الدفاع عن حقوق الشعب، ويدفع ثمن الوقوف في وجه النظام المستبد الفاسد، ويدفع ثمن الإصرار على الإصلاح
والله مش كلام أشعار، ومش بحاول أكبر الموضوع
السبب الوحيد لوجود المهندس خيرت في السجن الان هو أنه يشكل إزعاجا للفاسدين، وللمستبدين
فهو ليس على خصومة شخصية مع أحد، ولم يرتكب أي جريمة يعاقب عليها القانون
ولذلك فإن ما أطالب الناس به في هذه المرة مختلف
لأن المهندس خيرت ماثل الان أمام المحكمة العسكرية من أجل الدفاع عن حقوق الشعب
فلا أقل من أن نرد له الجميل ونقف معه
كل على قدر استطاعته
سواء بالتظاهر
أو بحضور الجلسات
أو بالكتابة
أو بالتواصل مع الشعب وإشراكه في القضية
أو نشرها بين منظمات حقوق الإنسان
المهم هو أن تصل قضية الشاطر إلى الجميع
وأن يتفاعل الجميع معها
فهي لسيت قضية معتقلي الإخوان المحالين للمحكمة العسكرية، بل هي والله قضية شعب مظلوم، ووطن يورث، وناس يبيتون جوعى في العراء بعد أن أكل النظام أكلهم أو رماه للكلاب، ولم يبن لهم منازل لأنه انشغل ببناء السجون، ليقبع فيها كل من يعارضه

7 comments:

saad alshater said...

ابراهيم باشا
مقال رائع
تفوقت فيه علي كثيرون كتبوا عن ابي
جزاك الله خيرا
وفك الله اسر الباشمهندس واخوانه

د.وليد said...

أخى إبراهيم... جزاك الله خيرا فى شهادتك فى حق هذا الرجل العظيم

وجزا الله الباشمهندس خيرت عنا وعن كل المصريين خير الجزاء
وندعو الله مخلصين أن يعجل الفرج ويزيل الكرب
أما هؤلاء الظالمين... فنقول لهم
ما احمقكم...لقد أثبتم بما فعلتموه من محاكمات عسكرية واعتقالات ومصادرة الأموال بالباطل
أن الشاطر وأخوانه أشرف واعز الخلق
وزادنا ذلك محبة واحتراما وتقديرا لهم

Anonymous said...

القبض على معتز منفى والجيزاوى بحبك يا مصر
تم إلقاء القبض صباحا على كل من المدون معتز عادل صاحب مدونة منفى
وأحمد الجيزاوى صاحب مدونة بحبك يا مصر
وذلك إثناء ذيابهم إلى الهايكستب بطرق مصر إسماعيلية الصحراوى للتضامن مع المحالين عسكريا
monzer they catch me in my way to cairo i donot know were they will take me nawtell all of them to take care and iam with u in modawn7"anafrom mo3takal
وما ألمنى اكثر ولم اقرأه إلا عند كتابة هذه الرسالة هي كلمته الأخيرة
donot forget me

وكانت رسالة أحمد الجيزاوى كالآتي
رسالة للجميع
أنا فى المترو واتقبض عليا خلى بالكم وتروحوا لوحدكم كانت رسالة معتز الساعة السابعة تقريبا، أما رسالة أحمد فبعديها بنصف ساعة تقريبا والامر بين يدي الله جميعا، وحسبى الله ونعم الوكيل
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...أخوكم منذر
نقلا من مدونة حين البأس...لاخويا منذر

alnagar said...

أبا الزهراء نهديك الورود
أنت الكريم بأرضنا رغم القيود
صبرا ففجر هاهنا ظلاله
تأتي بأحلام وأمال تعود



يا حضن الوطن الذي يحتضن كل أبناء مصر ، يا نور الشمس الساطع مهما حاول الطغاة طمسه ، يا رمز الثبات وملحمة الصمود
انا نحبك في الله

عبدالرحمن عياش .. مدونة غريب said...

ما شاء الله عليك يا ابراهيم
بجد مقال مبدع و الله
ربنا يكرمك يارب
ربنا يفرج عنه الباشمهندس
أما عني بصراحة
فالمهندس عندي تنتقل للمهندس يحيي
أما للأحياء هنا .. فهو الشاطر و بلا شك
فعلا مقال جميل
أحييك
سلام

عبدالرحمن عياش said...

قصدت المهندس يحيي , المهندس يحيي عياش

أخبار مصر لحظة بلحظة said...

أول مرة أزور مدونتك القيمة .. تهنئتي لك على المجهود المبذول والرائع..
ميدان التحرير الان
أخبار مصر لحظة بلحظة
ثورة 25 يناير