Saturday, July 14, 2007

أصله مش قرآن

واحد صاحبي بيكلمني في التليفون من كام يوم بيقولي إيه يا عم الأي كلام اللي عندك عالمدونة دا، اللي يقرأ الكلام اللي إنتا كاتبه من كام شهر، ويرجع يقرا اللي كاتبه دلوقتي، خصوصا في تحليلك للواقع السياسي المصري يلاقي عندك كلام بيناقض بعضه الحقيقة أنا لم أستفسر منه عن التناقضات التي وجدها، فتلك قضية لم تشغلني، ولا أعرف في الحقيقة إن كانت هناك تناقضات أم لا، ولكن بدون شك فقد تغير رأيي في بعض الأمور، ربما مع سير الأحداث، وربما ومع إعادة التدقيق، وربما مع توافر كم أكبر من المعلومات، وربما مع النظر من وجهة نظر أخرى، وربما،لبعض من هذه الأسباب أو غيرها مجتمعة المهم إني رددت على صاحبي بأول كلمة مرت على عقلي أصله مش قرآن من الطبيعي أن يتغير رأيي، لأن معلوماتي بطبيعة الحال ليست كاملة، ولا أحد معلوماته كاملة إلا خالق الخلق سبحانه، ولذلك قال (ذلك الكتاب لا ريب فيه)، بينما قال أنبياؤه (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله)، يعني إحنا مهما بلغ علمنا فسيبقى قليل، وسيبقى غير كامل، وسيبقى قابل للتغيير والتطور فكما قلت من قبل، الحق، المعرف بالألف واللام لا يقدر عليه إلا العليم الخبير، هو وحده قوله حق لا ريب فيه (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل) وأنا عارف إن رأيي بيتغير، ولا أرى في ذلك حرجا، فأنا في أول أيام ما حدث في غزة كنت شديد التعاطف مع موقف حماس، ثم بعدما ناقشت بعض الأخوة، وقرأت بعض التفاصيل، وفكرت في الأمر مرة أخرى، غيرت رأيي، فلم أعد أرى أن ما فعلته حماس هو الأصوب على الإطلاق، بل وأختلف معه بشكل كبير، وقد يكون رأيي هذا صوابا، وقد يكون خطئا، ولكنه ليس (الرأي الصواب)، لا هو ولا غيره من الاراء وقد كنت معارضا لنزول الإخوان في انتخابات مجلس الشورى، ثم لما ناقشت أحد أساتذتي من الإخوان، وربما أحبهم إلى قلبي،(في مكان لا أتمنى وجوده به) في مناقشة طالت ربما ساعتين، تفهمت النزول، ورأيت وجهة النظر المختلفة، فتذكرت كلمة الدكتور حبيب التي قالها من قبل (زاوية النظر 360 درجة، ولذلك من الطبيعي أن نكون 360 رأي حول كل قضية، ولا ضرر في ذلك، بل كلما تعددت الآراء إقتربنا من الصورة الكاملة) وهذا دوما قول المؤمنين، بل وقول كل عالم، لأن العلم هو الذي يعلم المرء أنه لا يدرك الحقيقة كلها، فكما يقول الشافعي كلما ازداد علمي زادني علما بجهلي وللشافعي أيضا كلمة معروفة ومشهورة في هذا السياق يقول فيها رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب فهو يؤمن بصواب ما يقول، وإلا ما كان يجب أن يقوله، ولكان قوله هو انسلاخ عن الأمانة العلمية، وهو يظنه صوابا لأنه بذل من الجهد والفكر لإصداره ما يجعله يطمئن إلى أنه استفرغ الوسع، ولكنه في الوقت ذاته يعلم أنه مهما أوتي من علم فستظل هناك أمور لم يحط بها، وبالتالي فقد يكون الحق في غير ما يقول وأنا أعقد المقارنة هنا بين فقه الشافعي وتحليل الواقع المعاصر باعتبار كلا الأمرين علما، يحتاج إلى الفهم والمعرفة معا وفي كلا الحالتين، فإن من يصدر عنه العلم لم يحقق الكمال في أي من الطرفين، سواء الفهم أو المعرفة وأظن أن دراسة الواقع لها دور كبير في تكوين الرأي الفقهي، وقد كتبت مقالة في هذا السياق نشرت في مجلة المسلم المعاصر، وقد أعيد نشر أجزاء منها على المدونة بإذن الله المهم هنا هو أن من لم يدرك تلك الحقيقة، حقيقة محدودية علمه وفهمه، كان فرعون، الذي قال لقومه ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد أعود فأقول، إن اختلاف آرائي وتطورها في بعض القضايا لا يقلقني على الإطلاق، بل لعلي لا أخفي سرا إن قلت أن ذلك كان أحد أهداف تدويني، أن أكتب ما يدور في رأسي، فذلك كاف لتطويره، ثم أستقبل عليه ردودا وتعليقات، فأرى الأمور بوجهة أخرى أنا أكتب لأنني غير مستعد لأن أحرم نفسي من حقي في إنسانيتي، من حقي في أن اجتهد وأخطئ، ثم أجتهد فأصيب أو أخطئ، وأراجع نفسي، وأقيم ما أكتب وما أفعل، وذلك هو ما تعلمته، فليست المحاسبة فقط أن يحاسب المرء نفسه على أوراد الصلاة والقرآن، وإنما أن يحاسب نفسة على آرائه وأفعاله وأفكاره، ويراجعها أن يراجع نفسه فيحدد ما هي ثوابته الفكرية، وكلما تقلصت كان أفضل وأن يراجع معتقداته في ضوء ثوابته وأن يراجع أفعاله في ضوء معتقداته وأن يراجع نتائجه في ضوء أهدافه وأن يراجع أهدافه في ضوء معتقداته أنا شخصيا أعود دائما لما أكتب، سواء ما نشر وما لم ينشر، وأراجع أفكاري فيه، وأناقشها مع نفسي أو مع غيري، وأعيد النظر في أولوياتي، وأراجع أفعالي ونشاطاتي وفقا لأهدافي التي أضعها لنفسي بشكل دوري، وأراجع هذه الأهداف ذاتها في كل مرحلة جديدة، ومن ثم فمن الطبيعي أن تتغير أفكاري، وتتطور صاحبي وحبيبي اللي كان بيكلمني، فعلا شكرا على الإشارة الهامة دي

Sunday, July 08, 2007

رجال الدولة...ورجال الأعمال

أتصور أن الوطنيين المصريين الحريصين على هذا الوطن باختلاف اتجاهاتهم السياسية والفكرية لا يغمض لهم جفن ولا يهدأ لهم بال بسبب قلقهم المبرر من الأوضاع الراهنة في (أم الدنيا)، فقد عمت الفوضى فعم البلاء. وأظن أن أهم مظاهر تلك الفوضى في دوائر الحكم هو ذلك التداخل الخطير في المفاهيم، وسحب بعض المفاهيم من مجالات معينة ووضعها في غير سياقها مع مجموعة من المفاهيم الأخرى. ومن هذا أعني تحديدا الخلط الفلسفي بين ما هو سياسي وما هو اقتصادي، أو بين دور رجل الدولة ودور رجل الأعمال. وقد أدى هذا الاختلاط إلى تشوهات بالغة في دور الدولة على الأصعدة المختلفة (السياسية- الاجتماعية- الاستراتيجية- الجيوبوليتية) فأضحت الحكومة كما أشار الكاتب الساخر إبراهيم عيسى قبل فترة (مجلس إدارة مصر) ولست هنا أحاول اتخاذ موقف متحيز ضد رجال الأعمال، فأنا على العكس من ذلك أرى أن وجود مجموعة كبيرة من رجال الأعمال المستقلين والوطنيين قد يكوم دافعا كبيرا باتجاه الديمقراطية الحقيقية، ولكني بصدد تقييم تجربة تكررت في أكثر من ركن من أركان الوطن العربي وتتكرر الآن في مصر؛ وهي تجربة إدارة الدولة بسكل مباشر من قِبَل رجال الأعمال فرجل الأعمال هو شخص يسعى نحو تحقيق (أرباح) من خلال مجموعة من الأعمال يديرها. وتقييم نجاح رجل الأعمال يكون من خلال تحقيق هذا الهدف؛ أي أن من يحقق أرباحا أعلى فهو الأنجح.
وبعبارة أخرى يمكن القول بأن تحقيق هذه الأرباح هو القيمة/الخلق
(ethic)
الرئيسي الذي يجب على رجل الأعمال التحلي به. ولا أقصد بذلك نفي الأخلاقية الفلسفية/الدينية عن رجل الأعمال على الإطلاق،ولكني فقط أشير إلى أن القيمة المحركة له في عمله لا يمكن أن تكون إلا تحقيق الأرباح. نعم قد يكون هذا الرجل صالحا يستخدم هذا الربح في الأنفاق على الفقراء وكفالة الأيتام، وقد يكون غير ذلك يستخدم هذه الأموال في أعمال منافية للأخلاق ولكنه في كلتا الحالتين يسعى لتحقيق الربح. فلو أنه كان يخسر في أعماله ولكنه ينفق في أعمال البر والخير فهذا يجعله أنسانا صالحا ولا يجعله رجل أعمال ناجح. ومن أجل تحقيق هذه الأرباح يسعى رجل الأعمال لتضخيم العوائد وتقليل المصروفات من خلال عمله في إطار قانوني واضح تديره الدولة. وهو يسعى لتحقيق ذلك عن طريق وسائل متعددة. فمن أجل زيادة العوائد يسعى رجل الأعمال لزيادة المبيعات، ويمكن له كذلك أن يرفع الأسعار من أجل زيادة العوائد، وهو يحرص دائما مع رفع الأسعار على إعادة طرح منتجاته بصورة جديدة تبرر للمشتري تلك الزيادة في الأسعار. وعلى الجانب الآخر يسعى رجل الأعمال لتقليل مصروفاته بوسائل شتى؛ قد تشمل فصل الموظفين والعمال وتقليل أعدادهم وتشمل كذلك تخفيض المزايا والخدمات الموجهة لهؤلاء الموظفين؛ هذا بالاضافة إلى وسائل أخرى وتعددة يعلمها أهل الاختصاص تؤدي في النهاية إلى خفض مصروفات الشركة على نحو يؤدي إلى زيادة أرباحها. تبقى الإشارة إلى أن رجل الأعمال يدير أعماله في أطار الدولة؛ أي أنه في مقابل الضرائب التي يدفعها (أو يتهرب منها على حسب قدر صلاحه كشخص) يوكل الدولة بحفظ أمن ممتلكاته وتأمين ألا ينهبها رجل أعمال آخر أو يضع يده عليها غيره. ولا يعني كل ما ذكر بطبيعة الحال أن هذه هي العقلية المتحكمة في كل رجال الأعمال، فذلك غير ممكن بطبيعة الحال. ذلك بأن لكل قاعدة هناك مجموعة من الاستثناءات تثبتها ولا تنفيها. كما أن إدارة الأعمال بالشكل السابق ذكره لا تعني بالضرورة غياب الأخلاقية عن رجل الأعمال. فهو كما سبق قد يكون يستخدم الربح في أمور خيرية، وذلك بالطبع شريطة ألا يكون متهربا من الضرائب أو متعسفا في فصله للموظفين...إلخ ننتقل بعد ذلك إلى مناقشة عقلية رجل الدولة؛ فإذا كان تحقيق الربح هو العامل المحرك والبعد الأخلاقي/القيمي لرجل الأعمال فإن لرجل الدولة بعد أخلاقي/قيمي آخر هو تنمية المجتمع والحفاظ على وحدته وتماسكه وقيمه وتحقيق غاياته ومصالحه وحمايتها؛ ومن ثم فإن غياب الأخلاقية عند رجل الدولة هي تقصيره في أداء تلك الأدوار. وما ينطبق على رجل الأعمال ينطبق على رجل الدولة في هذا الإطار؛ فإذا كان رجل الدولة فاسدا شاربا للخمر مثلا فإن هذا يقدح فيه كشخص لا كرجل دولة، وإذا كان صالحا ولكنه غير كفء فإن هذا يقدح فيه كرجل دولة لا كشخص، وهو ما جعل أحد الفقهاء يقول من قديم إنه يفضل الحاكم القوي الفاسد على الضعيف الصالح (لأن القوي قوته تنفع الأمة وفساده يضره وحده والضعيف ضعفه يضر الأمة وصلاحه ينفعه وحده)؛ على أن الأصح بكل تأكيد هو الصلاح في الاتجاهين لأن الأخلاق لا تعيش في كانتونات منفصلة عن بعضها البعض بحيث لا يؤثر بعضها في بعض. على كل فإن هذا الدور لرجل الدولة يشكل عقلية مختلفة عن تلك التي يتحرك بها رجل الأعمال. فرجل الدولة لا يكون منشغلا بتحقيق (أرباح- نمو اقتصادي) بقدر اهتمامه بعدالة توزيع هذه (الأرباح) على المجتمع وكفايتها لقضاء الحاجيات الأساسية لجميع أفرداه؛ ذلك أن للدولة دور تجاه أفرادها الذين انتخبوها (ولو نظريا) لتمثل مصالحهم. لأجل ذلك يصبح فصل الدولة للموظفين عمل غير أخلاقي، لأنها تقطع عنهم مورد رزق هي مسؤولة عن توفيره، ويصبح خفض وإلغاء الدعم غير أخلاقي لأنه يجعل السلع الإساسية مستحيلة التوافر على محدودي الدعم فضلا عن معدوميه (الذين يمثلون رقما كبيرا لا يمكن تجاهله في المجتمع المصري). وهناك دور آخر هام جدا للدولة هو توفير الأمن اللازم للمجتمع؛ وذلك لغياب (دولة عالمية) تحفظ هذا الأمن، وهو دور طالما غفل عنه رجال الأعمال في حال تحولهم لرجال دولة؛ فهم لا يفقهون (غالبا) الفارق بين القانون المحلى (الذي تضطلع أجهزة الدولة بتطبيقه كجزء أساسي من مهمتها) وبين القانون الدولي الذي لا توجد مؤسسة قائمة على تطبيقه. ولعل مثال الرئيس سعد الحريري في لبنان (فك الله كربه وأخمد نار الفتنة فيه) هو مثال جدير بالدراسة. فالحريري هو رجل أعمال من الطراز الأول؛ كان يدير عددا كبيرا من المؤسسات ذات الطابع الربحي بنجاح ثم فجأة جاء اغتيال والده الرئيس رفيق الحريري لينقله من خانة ادارة الشركة إلى خانة ادارة الدولة؛ هكذا وبدون مقدمات وجد الحريري الابن نفسه في قلب الحياة السياسية اللبنانية، وإن بقى عقله على شاكلته لم يتغير فأصبح (مديرا للدولة). من هذا المنطلق يمكن فهم الغالبية العظمى من المواقف السياسية (أو قل الاقتصادية) للحريري وتيار المستقبل الذي يتزعمه؛ فهو ينظر إلى العلاقة بالغرب على أنها علاقة عمل ستدر الأرباح على لبنان؛ وذلك بقطع النظر عن كيفية تأثير ذلك على المجتمع اللبناني، وعن الأبعاد المتعلقة بالأمن القومي اللبناني وعلاقاته بجيرانه وعلاقته بنفسه داخليا. وما حدث في لبنان بشكل فج ومفاجئ حدث في مصر بشكل متدرج على مدار الأعوام القليلة الماضية. ففي نهاية القرن الماضي ظهرت في الأفق (لجنة السياسات) في الحزب الحاكم بنفوذها الكبير، ومنذ البداية ضمت اللجنة عدد لا بأس به من رجال الأعمال؛ الأمر الذي اعتبره عدد كبير من (المحللين) السياسيين وقتها إيجابيا لأنه سيكون عامل دفع باتجاه اقتصاد السوق. وما هي إلا أشهر معدودة ونجحت هذه (النخبة السياسية الجديدة) في تغيير رئيس الوزراء بسبب ابطائه في عمليات الخصخصة، المهم أن اللجنة بدأت حسب تعبير الصحف الرسمية تتجه بمصر نحو اقتصاد السوق، وحسب توصيف هذه الدراسة (وأظنه الأكثر دقة) فإن اللجنة حولت مصر إلى شركة تديرها. ومن الظواهر التي تدل على ما أقوله أختار القليل محاولا الاكتفاء بوصف الظاهرة من دون التعقيب عليها لأن هدف هذه الورقة ليس السخرية من الواقع بقدر ما هو توصيفه على نحو دقيق في ظل تحرر من (قوالب التحليل والتوصيف) التي قمنا باستيرادها من نماذج سياسية واجتماعية أخرى من دون مراعاة الفوارق الاجتماعية، ومراعاة أن هذه النماذج ما هي إلا أدوات تستخدم لتوصيف ظواهر اجتماعية وسياسية واقتصادية وإذا لم توصفها بشكل دقيق فيجب استبدالها لأنها ليست مقدسة ولا مفيدة إلا بقدر قدرتها على التوصيف. أعود فأقول إن عقلية ادارة الشركة تجلت في تصرفات وقرارات وسياسات متعددة للحكومات المتلاحقة منذ اندماج رجال الأعمال برجال الدولة في مصر خلال العقد الماصي. فنرى على سبيل المثال أن الدولة قد تخلت بشكل واضح عن دورها الاجتماعي من خلال سياسة الخصخصة وما لازمها من فصل لموظفي الشركات المخصخصة (خاصة أن العقلية الحاكمة لم تكن تهتم حقيقة بمصير الموظفين لأن الأهم بالنسبة لها كان البيع وجمع الأرباح لإضافتها كرقم في ميزانية الدولة على أحسن الفروض). وعلى الجانب الاقتصادي سعت الدولة لزيادة مواردها بعقلية الشركة، فهي لم تفعل ذلك عن طريق زيادة الضرائب والجمارك مثلا، فذلك أمر لا يفضله رجال الأعمال في العادة، ولكنها سعت لزيادة مواردها عن طريق فرض رسوم جديدة على خدمات يفترض أن تؤديها مثل النظافة وبعض المرافق العامة التي زادت أسعار استغلالها (مثل الحدائق العامة وطرق السفر وغيرها). أما على النظام الداخلي فقد تعاملت الدولة مع المعارضة كما لو كانت مجموعة من الموظفين الخارجين على نهج الشركة فكان لابد من معاقبتهم على اعتبار أن ما فعلوه يخرج عن إطار الشرعية لأنه ليس للعمال والموظفين الحق في مشاركة (مجلس الادارة) في اتخاذ قرارات وسياسات الشركة. فمجلس الادارة يحق له اتخاذ كافة القرارات؛ وإذا كان قد سمح للموظفين بالإدلاء بآرائهم والتعبير عن رؤيتهم لمستقبل الشركة فإن ذلك ليس إلا من باب (الشورى المعلمة لا الملزمة) التي قد يأخذ بها مجلس الادارة إن رآها في مصلحته وقد يرفضها من دون أن يحق لأحد محاسبته. فالشركات بطبيعة الحال ليست واحات للديمقراطية، وإذا أعطى رئيس مجلس الادارة مساحة مشاركة وحرية أكبر للموظفين فليس ذلك إلا (هدية) منه‘ ومراجعة (رأي الأهرام) ومقالات رؤساء تحرير (الصحف القومية) وكيف تعاملت مع (قرارات) الدولة لزيادة مساحة الحرية (أو هكذا زعموا) توضح كيف أن الدولة بأجهزتها المختلفة تتعامل مع مصر كما لو كانت شركة. وأخيرا وعلى صعيد الأمن القومي فتلك قضية غائبة عن وعي مجلس ادارة الشركة لأنها تعمل في دولة القانون. ورجال الأعمال الجالسين على مقاعد رجال الدولة يظنون فيما يبدو أن هناك (حكومة عالمية) مناطة بتطبيق القانون وبالتالي هم في غير حاجة لاعتبار هذا الجانب في سياساتهم. وقد ظهر غياب هذا الجزء جليا في أمور مثل نوع العلاقات المقامة مع الدول المعادية (اتفاقية الكويز كمثال) والتعامل مع الأزمات المشتعلة في المنطقة (التعامل مع حماس، والموقف من قضية دارفور وقضية الصومال) ويظهر كذلك في خفض الإنفاق على التسليح (ولا أقول الإنفاق العسكري) على اعتبار أن تلك مصروفات نحن في غنى عنها في عصر السلام، ويمكن على أسوأ حال الاستعاضة عنها بعلاقات اقتصادية وسياسية جيدة مع أطراف بعينها. وقد كانت لتلك السياسات آثار شديدة السلبية على المجتمع المصري؛ نسعى لفهمها هي الأخرى من خلال وضع تصور نظري يتناسب معها. فأولا وعلى الصعيد الاقتصادي حققت هذه السياسات نجاحات رقمية في الميزانية المصرية (وذلك نتيجة لضعط المصروفات وزيادة العوائد) ولكن هذه النجاحات الرقمية لم تتم ترجمتها لتحسين مستوى المعيشة، وذلك لأن الدولة قللت من مسؤولياتها الاجتماعية فلم تعد يدها تصل للجميع لتعطيه ولو القليل، بل أصبحت تعطي (المواطنين-الموظفين) الفعالين والمنتجين فقط باعتبار أن هؤلاء دون غيرهم هم (المستحقون) للرواتب. فهذا فارق كبير بين الشركة التي لا تعبأ إلا بالموظفين المنتجين الذين يساهمون بشكل إيجابي في زيادة أرباحها في حين أن الدولة مسؤولة عن كافة مواطنيها سواء (الفعالين) منهم أو (غير الفعالين) من يتامى وأطفال شوارع وعجائز ومرضى وأصحاب إعاقات وغيرهم من غير القادرين على العمل بفعالية. فالفئة الفعالة (خاصة كبار رجال الأعمال) شعرت بهذه النجاحات الرقمية التي انعكست عليها بشكل إيجابي، أما غير الفعالين وأنصاف الفعالين فلم يشعروا بأي تحسن ناتج عن هذه (الإصلاحات). من هنا نستطيع أن نفهم تصريح المسؤول الكبير في لجنة السياسات الذي دافع عن فعالية سياسة حكومته قائلا إنها تقوم بإصلاحات حقيقية ولكن الناس لا يشعرون بها. المهم أن هذه السياسات كان من نتائجها المباشرة اضمحلال الطبقة الوسطى، وهي تلك المعتمدة على الخدمات الحكومية لتوفير حياة كريمة لها. فلما أقلعت الدولة عن أداء تلك الخدمات، أو على الأقل رفعت أسعارها سقطت تلك الطبقة –أو سقط معظمها- في مستنقع الفقر. أما أخطر ما في الأمر هنا فهو عجز الدولة عن رؤية تلك المشكلة وكافة المشكلات الناتجة عن سياساتها. ذلك أن الطيور على أشكالها تقع، والمرء على دين خليله، فإن رجال الأعمال الناجحون الجالسون على مقاعد رجال الدولة إنما يصادقون أمثالهم من رجال الأعمال الناجحين المستفيدين من الإصلاحات الحكومية من تخفيض للجمارك وغيرها من السياسات التي تصب في مصلحة كبار رجال الأعمال. ولأن حسن الظن بالناس من الأمور الواجبة، ولأننا يجب أن نلتمس الأعذار للناس فإنني أختار أن أفسر عدم احساس الدولة بالمشكلات المجتمعية التي تحققها على أنه نتيجة اعتماد (مجلس ادارة الدولة) على اصدقائهم المقربين في تقييمها، وهؤلاء المقربون يشعرون أن السياسات ناجحة، ولكنهم بكل تأكيد قلة قليلة لا تمثل شيئا في ميزان الديمقراطية الذي تميل كفته على الدوام لصالح الغالبية العددية لا المالية. وكلما زاد فشل هذه السياسات وكلما زاد تدميرها للطبقة الوسطى ازداد إحساس القائمين عليها بنجاحها؛ ذلك لأن انهيار الطبقة الوسطى يؤدي لقطع الروابط بين (مجلس الادارة) وبين عامة الشعب بعد أن كانت الطبقة الوسطى تؤدي (جزئيا) هذا الدور. أما النتيجة النهائية لهذه المسيرة فهى الانهيار التام للدولة. فمع غياب الدور الاجتماعي للدولة فإن هناك جهات مدنية أخرى ستقوم بهذا الدور (خصوصا في ظل وجود قيمة الزكاة كقيمة لا يمكن حذفها بسهولة من وجدان المجتمع المصري)، ومع تركيز الأمن على حماية النظام على حساب الشعب فإن الشعب سيلجأ لأساليب أخرى للأمن (وهو ما يظهر جليا من خلال الارتفاع الكبير في كم الجرائم الانتقامية أو الدفاعية التي يقوم بها المواطنون بأنفسهم بدلا من توكيل الدولة بالقيام بذلك) وعلى الجانب الاستراتيجي سيبقي الوطن معرضا للخطر وفي حالة تهديد دائم لأمنه تمنعه من تحقيق أي تقدم حقيقي وعلى الصعيد الاجتماعي ستزيد الرقعة ما بين الشعب والدولة ويقل احترام الأفراد للدولة والقانون (يظهر ذلك جليا في تصرفات قادة السيارات على سلبيل المثال). أما الأخطر من ذلك كله فهو ازدياد الاحتقان الاجتماعي بسبب غياب القاسم المشترك الذي يجمع أبناء المختلف، ويساهم غياب الطبقة الوسطى في ازدياد حدة هذا الاستقطاب بين الطبقات الاقتصادية المختلفة. وليس المقصود من هذه الورقة التقليل من أهمية دور رجال الأعمال في المشاركة في إحداث النهضة المطلوبة؛ فلإحداثها لابد من وجود مؤسسات اقتصادية قوية يقوم رجال الأعمال بتنميتها. وإنما المقصود من هذه الورقة هو التنبيه للنتائج الخطيرة المترتبة على تداخل التخصصات، وتحديدا تدخل رجال الأعمال بشكل مباشر في ادارة الدولة. هذا نذير عريان إلى القائمين على الحكم، وإلى الوطنيين المهتمين بالشأن العام. فإن غرق السفينة لا ينجو معه أحد، والحمد لله رب العالمين.

Friday, July 06, 2007

غسلت

هو الموضوع غريب شوية أنا عارف، بس دي أول مرة في حياتي أشغل الغسالة وأغسل
ربنا يخليهالي أمي في مصر، فعلا، يا عيني عالأم وحنان الأم
بس أبوظبي بقى حاجة تانية
بقالي كام يوم شايل هم الموضوع ده
وعمال أأجل،وكمان مفيش وقت أوي وأنا بتحجج بالموضوع ده
بس المضطر يركب الصعب
النهاردة اتخذت القرار، ونزلت اشتريت مساحيق غسيل،وأنا راجع من الشغل (أيوة النهاردة الجمعة وراجع الساعة 11، ظلم الرأسمالية بقا) وكلمت واحدة بتشتغل معايا أسألها أجيب مسحوق إيه، ورجعت على الأوضة قريت دليل المستخدم بتاع الغسالة، وحطيت الحاجات، وأهي شغالة دلوقتي،ادعولها بالسلامة
إن شاء الله لو الأمور مشيت كويس هكلم أمي أقولها
وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، إن الإنسان لظلوم كفار
النعمة الواحدة، لا تحصى
ملحوظة: أرجو ألا تدور التعليقات في هذا الموضوع حول نفس ما دارت حوله في التدوينات السابقة، وأتمنى أن تقتصر علي
1- التهاني بالغسيل الأول
2- الإطمئنان على حالة الغسيل بعد النشر
3- نصائح لمسحوق أفضل، نصائح حقيقية مش إعلانية من بتاعت جمع أربع أغلفة وابعتهم على ص.ب 109
4- أي حاجة تانية ليها دعوة بالغسيل، يعني الناس اللي بتغسل أموالها في تجارة مخدرات، الكلام اللطيف بتاع المزاج ده
5- نصائح للغسيل القادم، من حيث الكمية، الحاجات اللي تتحط مع بعض، والذي منه
6- أي حاجة تانية مالهاش دعوة بالإخوان ولا السياسة ولا عيلتي ولا ميكي ماوس البقال اللي كان جنب بيتنا وقفل مش عارف ليه
تحديث: الحمد لله، العملية نجحت، خلصت الغسلة الأولى بنجاح، عملت زي ما محمود سعيد قاللي بالضبط، نشرت:)

Tuesday, July 03, 2007

المستشار البشري...العقل الأكبر

أنا شفت كتير وقليل، بس مشفتش في حياتي إنسان في تواضع المستشار طارق البشري. المستشار البشري عنده من العلم والفهم للواقع أكثر من أي حد تاني، على الأقل أنا شايف كدة. وأنا أعتبر البشري فعلا أكبر عقل إسلامي معاصر، مع الاحترام والتقدير الشديدين للمفكرين الأجلاء جميعا رجل بهذا القدر وهذه المكانة ممكن أفهم إنه يكون متواضع فمثلا يعامل الناس كما لو كان مثلهم، أو يلبي لهم طلباتهم، بس المستشار البشري يذهب أبعد من ذلك بكثير، فهو أولا إذا طلبت منه موعدا يعتذر بشدة إذا أجله إسبوعا لانشغال جدوله، وإذا طلبت منه شيئا سعى لمساعدتك فيه أكثر مما تسعى أنت لمساعدة نفسك أذكر أن أحد الصحفيين الأصدقاء كان يكتب شيئا عن البشري، فأراد أن يقابله، فحكى لي بعد ذلك كيف أنه اضطر لإلغاء الموعد، وكيف أن المستشار كان ينسق معه موعدا آخر، ويعتذر إذا طلب الصحفي لقاء في موعد مشغول، يعتذر بحرج شديد وعلى أدب جم، حتى قال لي صديقي الصحفي (كنت عايز أقوله حضرتك اللي بتعمله ده بيحسسني إن أبويا وأمي معرفوش يربوني خالص، فبلاش الأدب والتواضع ده) ذات مرة، من سنتين تقريبا، كان عندي معه موعد، وانشغل فأراد تأجيله، فاتصل بي في المنزل ولم يرد أحد فترك رسالة نصها: (السلام عليكم، أنا طارق البشري أنا بس عايز أعتذر للأستاذ إبراهيم الهضيبي عن موعدنا الأربعاء، يا ريت الاستاذ إبراهيم يتصل بيا علشان نرتب معاد تاني، أنا آسف جدا على الاعتذار المتأخر، السلام عليكم) أنا كنت برة البيت، ولما أبويا رجع البيت وسمع الرسالة كلمني وقالي تعالى يا إبراهيم أنا عايزك، قلت له خير يا بابا، قاللي في حاجة غريبة أوي بتحصل، فضيلة المستشار البشري كلمك وسابلك رسالة يعتذر عن معادكو، وبيقول على نفسه طارق البشري، وبيقول عليك الأستاذ إبراهيم، في حاجة غلط أكيد)، طبعا بغض النظر عن موقف أبويا (اللي كان بيهزر) كلمات المستشار العفوية، في رسالة صوتية، تعكس مدى تواضعه المخجل الحقيقة وبشاشة وجه البشري هي الأخرى حكاية لوحدها، فهو يبتسم ليظهر من وراء الابتسامة قلب صاف ونفس صافية قلت في هذا الزمان، بس ده مش غريب على واحد يقول عنه خال والدتي (الذي هو صديقه) إن ضميره حي وأخلاقه سليمة ومنضبطة لدرجة إنه إذا عرضت عليه قضية تحكيم، وقرأها ودرسها ثم لم يسترح قلبه لحق أي من الطرفين أعتذر عنها ولم يصدر حكما، على الرغم من إن ده المستشار البشري، يعني محدش هيراجع وراه، وعلى الرغم من الخسارة المادية المترتبة على ذلك استقلاله في أحكامه مش حاجة جديدة، فالأستاذ الكبير الذي كان نائبا لرئيس مجلس الدولة كان دوما مستقلا، ولم تنجح أي ضغوط في التأثير عليه، فهو صاحب الحكم التاريخي بعدم أحقية الرئيس بإحالة المدنيين للمحكمة العسكرية في التسعينات، وهو صاحب الحكم التاريخي بشرعية قيام حزب على أساس إسلامي، وحيثيات الحكم تعتبر من أقوى الوثائق، وأعمقها وهذه الاستقلالية لم تعن للمستشار البشري أبدا الاعتداد بالرأي، بل كان العكس هو الصحيح، فإذا ذكر الرجوع للحق، وجرأة الاعتراف بالخطأ، كان لابد من ذكر فضيلة المستشار طارق البشري، الذي كتب مقدمة وصلت لحوالي 80 صفحة للطبعة الثانية من كتابة (الحركة السياسية في مصر 1945- 1953) ينقد فيها ما كتبه في الكتاب، ومنهجيته في كتابة التاريخ، وقد حكى لي عن هذا الأمر في زيارة زرتها له، فلم يجد حرجا في أن يتحدث إلى من هو أصغر من أبنائه، فيعترف بخطئه، ويقيم نفسه، ويشرح لماذا كان يفكر بهذه الطريقة، لماذا تغير أسلوب تفكيره، إنه العلامة المتواضع طارق البشري. لا أظن اليأس عرف طريقه لقلب البشري، بل إنه لم يكتفي برفض اليأس، فراح ينشر الأمل والرجاء، وليس الأماني، فكما يقول ابن عطاء الله السكندري: الرجاء هو ما قارنه العمل، وإلا فهو أمنية. راح ينشر الأمل والرجاء بكتابات يوضح فيها الطريق، ولم يكتبها أبدا للشهرة أو لأن الكتابة وحسب، فقد زرته آخر مرة قبل أيام من سفري وقال لي أنه لم يكتب منذ أشهر 9 لأنه لا يجد جديدا يقوله، وليس من عادته أن يكرر نفسه، فلا فائدة ترجى من هذا، ويرى أن الوقت وقت التنظيم والعمل لا وقت الكتابة والكلام، وقد أختلف مع ذلك، ولكن تلك من دون شك رسالة قوية من البشري، ودلالة واضحة على أهداف كتابته. وفي غير كتابته، فإن الأستاذ الكبير- أمد الله في عمره وبارك فيه- لا يكف عن بث الأمل في قلوب الاخرين، وسأذكر هنا موقفين، أولهما حين ذهبت إليه مرة وأنا محمل بالإحباط، من أحوالنا وأحوال البلد، ومن قبل ذلك من حالتنا الفكرية المتردية التي لا أرى معها أملا في الإصلاح، فاستمع إلى المستشار طويلا، وهو أعلم مني بصعوبة الوضع، ولكنه ابتسم بعد ذلك وقال لما سألته عن الحل، وقال (ضاقت فلما استفحلت حلقاتها، فرجت وكنت أظنها لا تفرج)، اشتدي يا أزمة تنفرجي، وقال (إنت عارف يا إبراهيم، من عشرين سنة تقريبا في شباب جم قعدو معايا واتكلموا في نفس الكلام ده) فسألت (وهم فين دلوقتي) فقال ضاحكا (اختفوا خلاص) ثم أضاف: بس أنا سعيد إنك بتتكلم في الأمور دي، ودي حلجة تعطي الأمل لا اليأس، لأن المشكلات التي تحدثت عنها لم تنته، ولما لم يأتني أحد من الشباب ليناقشني فيها خفت أن الشباب أصبح لا يرى هذه المشكلات أصلا/ ثم قال لي وأنا في طريقي للإنصراف وبعد أن شكرته على وقته واعتذرت للإطالة (والله يا إبراهيم أنا بفرح لما بشوفك، وبكون سعيد لما بشوف شباب صغير لسة محافظ على فكرته وهويته ووسطيته، ده في ذاته فشل للهجمة التغريبية اللي بقالها أكتر من سنة، فشل لأنها لم تنجح في جذبك أو وضعك في موقف دفاعي) خرجت وقد أصبحت هذه الكلمات من أهم ماسمعت في حياتي، كلمات بسيطة ولكنها جد معبرة؛ الموقف الوسط، بين أن أنجذب إلى المشروع التغريبي، وبين أن أقف في موقف دفاعي فلا أصلح وضعي، ولا أقبل النقد، ولا أتقدم وأتطور ذهبت إليه مرة وفي ذهني فكرة أريد أن أناقشه فيها، فلما انتهيت من عرضها ابتسم وقال: اكتبها يا إبراهيم، لا أدري لماذا لم أكن فكرت في كتابتها من قبل، ربما لأنني لا أظن أن بها جديدا يستحق أن يقال، المهم أنه أصر أن أكتبها، ثم عرضتها عليه، فأعطاني من وقته الثمين، وراجعها وناقشتها معه، ثم من علي بوقته وجهده مرة أخرى بأن أرسلها للنشر، وتحدث مع أحد الأساتذة الذين شرفت بمعرفتهم ليعرفني عليه ويطلب منه نشر المقال كل ذلك بدافع تشجيعي على عرض أفكاري وتطويرها، وهو لديه من المشاغل الكثير، لكنه تواضع العلماء، ورفق الكبار، وأخلاق المفكرين، ولهذا فعلى قدر حبي لأفكار المستشار وعمق كتاباته وتحليلاته فلا أزال أصر على أنني أحب فيه الإنسان قبل المفكر، وأنني أتمنى أن أتعلم منه الأخلاق قبل العلم، ولكن هذه لا تغني أبدا ن تلك وقد رأيت كثيرا من الناس يحمل هموم الأمة في قلبه، فيتحرك لها بالدعاء، ويبكي الدمع لما يسمع بما يجري في الأماكن المختلفة، ولكني لم أرى من يحمل هموم الأمة في عقله مثل العلامة البشري، فهي شغله الشاغل، ولا يمكن لي أن أتذكر حديث (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) من دون أن أتذكر فضيلة المستشار البشري كمثال على من اهتم بأمرهم دوره الفكري لم يمنعه من أداء دوره على الأرض لما اقتضت المصلحة ذلك، فشارك العام الماضي في وقفة القضاة الشرفاء، وكتب عنها في كتابه (مصر بين العصيان والتفكك) ما أبكاني لما قرأته، فأنا أشعر بأن لعقله قلب ينبض بالعاطفة، ولكنها عاطفة عقلية، لا عاطفة قلبية، فهي عاطفة تعي في باطنها الواقع، ومشكلاته، ولكنها لا تفقد الأمل فيما هو أفضل عاطفة تذكرك بكلمة الإمام البنا (ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة) من أجمل من كتب المستشار البشري (الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر)، و(ماهية المعاصرة)، و(منهج النظر في النظم السياسية المعاصرة لبلدان العالم الإسلامي)، و(الوضع القانوني بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي)، و(استقلال القضاة) و(مصر بين العصيان والتفكك)، و(الحركة السياسية في مصر 1945-1953، الطبعة الثانية) الذي لازلت أقرأه، و(بين الإسلام والعروبة)، وغيرها من الكتب القيمة، بالإضافة لمقالاته في المجلات والمواقع المختلفة المستشار البشري هو رجل بأمة، ولن يعترف أبدا بذلك لتواضعه ولو كتبت مجلدات عن البشري فلن أوفي حقه علي، فضلا عن أن أوفي حقه على الأمة ولكن أقل القليل هو أن أدعو بأن يبارك الله في عمره، وأن ينفع بعلمه وجهده، وأن يوفقه للخير، وأن ينفع به تلامذته ، ويوفقهم للتعلم منه، وأن يجزيه على جهده ووقته الخير كل الخير...اللهم استجب

Thursday, June 28, 2007

أستاذي، الدكتور عماد

أصحاب الفضل علي كثيرون، أحاول تذكرهم في دعائي دائما، ولكن لكثرتهم فقد أتذكر بعضهم أحيانا، وقد أنسى بعضهم، ومن هؤلاء الذين لا يمكن أن أنساهم، بل وربما على رأسهم، أستاذي الدكتور عماد شاهين، استاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، والأستاذ الزائر بجامعة هارفارد مش عارف أكتب إيه، لأن الدكتور عماد مش ممكن حد (وخصوصا أنا) يوفيه حقه بالكتابة، تعرفت عليه بعد سنة تقريبا من التحاقي بالجامعة، وده مكنتش عن طريق محاضرات ولكن عن طريق طلبة كان بيدرسهم وكانوا طول النهار اللي على لسانهم الدكتور عماد قال الدكتور عماد بيقول بعد كدة التقيته في نموذج مجلس الشعب في الجامعة، وهو كان المشرف الأكاديمي على النموذج، وكتب لي بعد المؤتمر كلمة لازلت أحتتفظ بها، وقد كانت أول تعارفي به، قال فيها: الأخ العزيز إبراهيم الهضيبي، كنت ومجموعتك خير تمثيل لما تؤمن به بأسلوبك الهادئ وحسن أخلاقك، أسأل الله أن يوفقك ويرشدك، عماد الدين شاهين أكاديميا حضرت له محاضرة عن الحركة الإسلامية ولم أكن أدرس معه وقتها، وكانت على ما أذكر محاضرة في فصل الصيف، فلما استأذنته للدخول رحب بي أشد الترحيب، وقد كنت متربصا بعض الشيء في الحقيقة، فلما استمعت لما قاله في تعريف الحركة الإسلامية وما إلى ذلك ظللت أفكر في هذا الكلام شهورا، ولا أزال متأثرا به أشد التأثر، وقد كانت تلك المحاضرة علامة فارقة في حياتي من دون شك، نقلتني من الارتباط العاطفي بالحركة الإسلامية (اللي ناس كتير مش واخدين بالهم إنه عاطفي، الارتباط الطبيعي يعني) إلى الارتباط العقلي بالحركة الذي لا ينفي الارتباط العاطفي ولكنه يعمقه ويرسخه، ويرشده بعد ذلك توطدت علاقتي به من خلال المحاضرات والمواد التي درستها معه، خاصة مادتي (الاقتصاد السياسي لبلدان الشرق الأوسط)، و(الحركات الإسلامية المعاصرة)، ولازلت أذكر المحاضرة الأولى لمادة (الحركات الإسلامية المعاصرة) والتي درستها معه في صيف 2005، وكان عدد الطلبة حوالي 15 نصفهم من العرب والمسلمين ونصفهم من الغربيين، فجلست على المقعد المجاور لي طالبة مكسيكية، وطلب الدكتور منا أن يتحدث كل عن سبب تسجيله هذه المادة، وعما يتوقعه من المحاضرات، فتحدثت المكسيكية قبلي وقالت إنها تعمل في مجال المكافحة الدولية للإرهاب، وتريد أن تعرف أكثر عن الحركات الإسلامية، وبالتالي فهي تظن أنها في المكان المناسب، فضحك الدكتور عماد وهو ينظر إلي قائلا: إنتي في المكان المناسب بالضبط، ثم قال بالعربية: اتفضل يا إبراهيم، فضحك العرب في الفصل، وعرفت أنا نفسي فقلت إنني أرغب في معرفة المزيد عن تجارب الحركات الإسلامية ومفكريها ومشكلاتها من كلماته التي لا يمكن أن أنساها خلال محاضرات هذه المادة: الفروق بين التيارات الوسطية والتيارات المتطرفة ليست فروقا في الوسائل والإجراءات، ولكنها فروق في المناهج والأيديولوجية المشكلة الأساسية للإخوان هي أنهم فشلوا في التحول من تيار إسلامي رئيسي إلى تيار وطني رئيسي الإخوان في مصر يجب أن يعوا أن تجربتهم مختلفة، وأنهم لا يجب أن يفشلوا، لأن فشلهم سيكون كارثة للحركة الإسلامية كلها، فيجب دائما أن يحافظوا على الهدوء والمرونة في حركتهم الحركة الإسلامية هي الأصل في البلاد العربية، ولا يمكن فصلها عن الطبيعة المكونة للمجتمعات الإسلامية ولا يمكن أن أنسى تعريفه للفارق بين الشريعة والفقه، ولا رؤيته لدور الإجتهاد ومجالاته ومقاصد الشريعة ومكانتها ودورها في التشريع في نهاية الكورس طلب الدكتور من كل منا أن يقوم بعمل دراسة عن الحركة الإسلامية في بلد من البلدان لعرضها على الفصل، فطلبت منه أن أقوم بدراسة الحركة الإسلامية في مصر (وكانت تشمل الإخوان والجهاد والجماعة الإسلامية) فقال: فكر برة الإطار دة شوية يا إبراهيم، أنا هعمل مصر، وإنت تركيا، فكانت دراستي للحركة الإسلامية في تركيا سببا في أن أطلع على تجربة مختلفة، ولازلت إلى الان شديد الإعجاب بالتجربة التركية، وكان كتابه القيم (الصعود السياسي: الحركات الإسلامية المعاصرة في شمال إفريقيا Political Ascent: Contemporary Islamic Movements in North Africa) دليلي للحركات الإسلامية في شمال إفريقيا، وبه أيضا من الدروس والتجارب ما لا يصح لعقول الحركات الإسلامية تجاهله، من باب (أفلم يسيروا في الأرض فبنظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) تعرفت خلال دراستي لهذه المادة، ومن خلال ما كنا نقرؤه، على مجموعة كبيرة من المفكرين الإسلاميين، الذين قد يختلف المرء معهم أو يتفق، ولكن تخطي إسهاماتهم من دون الوقوف عندها والاستفادة منها هو نوع من العبث، ويؤخر الكثير الكثير، منهم راشد الغنوشي، وحسن الترابي، والخميني، وعلي شريعتي، بالإضافة طبعا للبنا وسيد قطب والمودودي ولا أنسى إشارته للفارق الكبير بين أفكار البنا وقطب، وكون قطب أكثر تأثرا بأفكار المودودي منه بأفكار البنا وأساتذته رشيد رضا، ومحمد عبده وغيرهم ممن تعرفت على فكرهم أكثر من خلال محاضراته ولا أنسى كيف أنه كان يختلف بشدة مع أفكار سيد قطب، ويراها خاطئة وخطيرة، ولكنه كان يكن له كل الاحترام، ويلتمس له الأعذار في ما كتب بسبب ما تعرض له من تعذيب، ولكنه يعود ويقول أنها أفكار بعيدة عن فكر الإخوان، وأن الإخوان رفضوها بكل وضوح في كتاب (دعاة لا قضاة)، ولكنهم لم يكونوا ليمنعوا مفكرا من أن يقول رأيه، لأن ذلك ليس من منهجهم وفي مادة أخرى درستها معه تحدث معنا في المحاضرة الأخيرة عن الهوية، وكان عدد الأجانب من الطلبة لا بأس به، ولكنه عندما تحدث عن الهوية، وعن الوسطية في الهوية، وكيف أنه يجب على كل إنسان أن يبحث عن الأصول المكونة لذاته وهويته، ويفهمها ويقتنع بها، ويميز بينها وبين غيرها من مكونات الهوية، وإلا صار إما انطوائيا منغلقا، وإلا مسخا، أو neither nor كما قال الدكتور في الفصل، يحاول ترك هويته والبحث عن هوية بديلة، فينتهي به الحال أنه بلا هوية، وميز الدكتور بين هذا الموقف، وموقف من انطلق بعد أن فهم أصول هويته يبحث عن الأفضل من مكونات الهويات الأخرى، فيصل إلى أفضل الأماكن، كانت كلماته عميقة وواضحة حتى صفق له الجميع في المحاضرة كنت أختلف معه حين يقول أن أتاتورك كان له فضل على النهضة الصناعية التركية، فأتاتورك بالنسبة لي كإسلامي هو الشيطان الأكبر، ولكنني عندما اراجع نفسي، وأقرأ في النهضة الصناعية التركية بإنصاف أجد أن أتاتورك كان فعلا صاحب فضل في هذا الأمر، وقد تعلمت من القرآن (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا)، وتعلمت من الحديث أن (الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق الناس بها)، وتعلمت من شيوخي أنه لا يوجد شخص سيء بالمطلق، ولا يوجد شخص صالح بالمطلق، فكل – كما قالوا يؤخذ منه ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات مرة، قال كلمة عابرة في وسط محاضرة من محاضراته؛ قال أنه عكف سنوات (لا أتذكر كم عددها) على قراءة كل ما كتب رشيد رضا، كل حرف كتبه رشيد رضا فعلا، حتى يستطيع أن يكون رؤية واضحة عن أفكاره ورؤيته للغرب، وهو موضوع رسالته في الماجيستير، ذهبت بعد المحاضرة إلى المكتبة واستعرت رسالته المطبوعة في كتاب عنوانه: عبر عيون مسلمة: رشيد رضا والغرب Through Muslim Eyes: Rashid Rida and the West وهو كتاب عدد صفحاته لا يتجاوز 150، ولكنه من العمق والفهم اللا محدود، وكيف ولا وقد قرأ الرجل الاف الصفحات وأكثر من كتب رضا وسيرته حتى يخرج 150 صفحة من خلاصة فكره؟ تعلمت من هذا الموقف ألا أحكم على فكر شخص من خلال ما قاله بعض الناس عنه، أو من خلال قراءتي لسيرته (فالسيرة شيء والفكر شيء آخر، إلى حد كبير على الأقل) ولا من خلال قراءة مقال أو مقالين، وإنما من خلال قراءة عميقة ومتأنية لحجم معقول من أعماله التي كتبها حول موضوعات مختلفة، وفي أوقات مختلفة، وقد فعلت ذلك بعدها مرات ثلاث، مع الأستاذ الإمام محمد عبده، والأستاذ سيد قطب، والأستاذ مالك بن نبي، وفي الحالات الثلاث (والتي قرأت فيها أعمالهم بنسب متفاوتة ولكنها كبيرة) أستطيع القول أن ذلك اثر على فهمي لهم كثيرا، وبالتالي من إبداء رأي أكثر موضوعية في آرائهم، وأنه مكنني من فهم أمور كثيرة متعلقة بواقع الحركة الإسلامية المعاصرة من خلال فهمي لأصولها الفكرية عن هؤلاء أستاذا وإنسانا والدكتور عماد مش بس أكاديمي متميز، هو أيضا أستاذ متميز، عنده علم مش قليل، ولكنه دائما على استعداد للتنسيط ثم التبسيط ثم التبسيط لكي يفهمه الطلبة، كان يقول لنا في بداية المحاضرات محفزا على المشاركة والاختلاف معه في الرأي: استفزوني بالأسئلة، فأنا أدرس أفضل حين يستفزني أحد حسه الفكاهي في عرض الواقع السياسي المصري يضيف إلى محاضراته بعدا إنسانيا رائعا أشار مرة إلى انقطاع الصلة بين الصحف الحكومية والواقع، وأعطى على ذلك أمثلةعدة، ثم بعدها وفي نفس المحاضرة أشارت إحدى الطالبات إلى أنها كانت في السعودية وقت وقوع مجموعة من الإنفجارات الإرهابية هناك ولكنها لم تعلم عنها شيئا، فقال بتلقائية: أكيد كنتي بتقري الأهرام هناك كنت كلما ذهبت لأسأله على الدرجات بعد الامتحانات يقول مازحا: بصراحة يا إبراهيم مخبيش عليك أنا معنديش وقت أصلح، فأنا هقف على السرير وأرمي الورق، اللي هيقع فوق ينجح واللي يقع تحت يسقط، وإذا قابلته بعدها قال: ماشية معاك الورقة وقعت على السرير، هذا مع العلم أنه شديد الدقة في التصحيح، فهو يخصم نصف الدرجة وربعها إذا استلزم الأمر ومكتب الدكتور عماد مفتوح على طول، وقد كنت أقضي به وقت طويل أثناء دراستي بالجامعة، فأحيانا أتحدث إليه، وأحيانا يطلب مني سؤالا سريعا لامتحان سريع يعطيه للطلبة في مادة درستها معه من قبل، وأحيانا يعمل بينما أطالع أنا المكتبة، ولكثرة ما أخذه الطلبة من كتب مكتبته ولم يعيدوه وضع ورقة على المكتبة يقول فيها: فمحبوبي كتابي، فهل أبصرت يوما محبوبا يعار؟ ومع ذلك فقد كان يعيرني الكتب قبل أن أطلب أنا استعارتها، كنت إذا ناقشته في موضوع يعيرني بعض الكتب التي تناقشه برؤى مختلفة، وكان لذلك عميق الأثر في أن أرى وجهات النظر والرؤى المختلفة المتعلقة بتلك الأمور وفي مكتبه كذلك دارت مجموعة من النقاشات التي أثرت كثيرا في إسلوب تفكيري، وفي حجم إدراكي، فهناك التقيت طلبة من الجامعة من الاتجاهات المختلفة كلهم يحبون عماد شاهين الإنسان والأستاذ، والتقيت بمجموعة من أصدقائه المثقفين الذين سعدت بالتعرف عليهم ومناقشتهم والتعلم منهم، والتقيت بمجموعة من طلبته ممن حضروا له محاضرات أو ندوات، وهم من جامعات مختلفة، لن أنسى منهم الشيخ محمد طالب اللغة العربية بالأزهر، والذي سافر بعد ذلك في منحة إلى الولايات المتحدة، وكان الشيخ محمد كثير الحديث بالإنجليزية، وكنت أعتب عليه ذلك في حواراتي معه، فتدخل الدكتور عماد مرة وقال: والله يا عم الشيخ إنتا شكلك هتعمل زي الطهطاوي، هتسافر أمريكا تنبهر، وتتجوز واحدة أمريكانية، وتكتب كتاب عن وصف أمريكا، بس يا ريت يا شيخ متنساناش وقتها بس، كل واحد من هؤلاء الذين رأيتهم في مكتب الأستاذ يشعر أن الدكتور عماد أبوه أو أخوه، فهو يساعده وينصحه ويقومه المكتب المجاور لمكتبه هو مكتب الدكتور وليد قزيحه، رئيس قسم العلوم السياسية بالجامعة، وواحد ممن تعلمت على أيديهم الكثير، وقزيحة هو استاذ الدكتور عماد الذي درسه خلال فترة دراسته بالجامعة، والدكتور عماد هو نموذج لاحترام الطالب لاستاذه، فعلى الرغم من اختلاف أرائهما، فالدكتور عماد شديد الحرص على تلبية كل ما يطلبه الدكتور وليد، ولا يمر الدكتور وليد من أمام مكتب الدكتور عماد أو يدخله إلا وقف الدكتور عماد لتحيته، وسأله عن صحته وعما إذا كان يريد شيئا، وربما مازحه، وفي أحد الفصول الدراسية كانت عندي محاضرة مع الدكتور عماد، بعدها بساعتين محاضرة مع الدكتور وليد، وكنت أقضي المدة بين المحاضرتين في مكتب الدكتور عماد، وكان دائما ينبهني لأن أدخل إلى المحاضرة التالية قبل الدكتور وليد وتواضع الدكتور عماد فعلا يضايقني، لأن تواضعه يشعرك بأنه فعلا لا يعرف قدره وقيمته، فهو قد تم اختياره من طلبته كأفضل أستاذ في الجامعة، ونال جائزة تدريسية أخرى من هارفارد، وكبار الأكاديميين في مجالات الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط والإسلام السياسي يعتبرونه (الخبير) في هذا المجال، ومع ذلك أتذكر أنه أكثر من مرة طلبت منه قنوات فضائية عمل مقابلات حول قضايا متعددة وكان يرفض، ولما أسأله عن السبب يقول: يعني هقول إيه؟ أنا معنديش حاجة متميزة أقولها، هكذا بمنتهى التواضع، حتى كنت أقول له: يا دكتور حرام عليك، لو حضرتك مش هتتكلم بإنصاف حد غير حضرتك هيتكلم بدون إنصاف، فكان هو بعد ذلك يذكرني بهذه الكلمة كل فترة الأخ والصديق كل هذا كان عن الدكتور عماد الذي يعرفه طلابه، ولكني لا أزال أريد الكلام عن الدكتور عماد الذي أعرفه أنا، وقد حرصت على أن تمتد علاقتي به بعد الجامعة، فأذكر أنه في آخر فصل دراسي لي بالجامعة كان الدكتور قد سافر للتدريس في هارفارد، وكان أكثر ما يحزنني أن مكتبه كان مغلقا، فكنت أمر عليه في الطريق إلى المحاضرات، وأتذكر الدعاء لأستاذي وأخى الدكتور عماد لن أستطيع أن اكتب كثيرا، لأن مواقفي الشخصية معه لا يصح نشرها بدون إذنه، وهو لن يأذن لأنه لا يحب أن يكتب عنه أحد ولكن لن أنسى أبدا أنه لايزال حريصا على الاتصال بي من أمريكا على فترات متقاربة للتواصل معي، وأنه لا يزال أحرص الناس (أو أحد أحرص اثنين، ثانيهما الباشمهندس خيرت) على أن استكمل دراساتي العليا في العلوم السياسية والاقتصاد السياسي ولا يمكن أن أنسى حرصه على أن أحضر معه المؤتمرات والندوات، وسعيه لذلك، وكيف كان يعتذر لي عن خطأ هو غير مسؤول عنه أخر وصول دعوة لي للحصور لأحد المؤتمرات قبل شهر فلم أتمكن من الحضور والدكتور عماد دائما ينصحني وقتما أحتاج للنصيحة، وهو دائما يقومني وقت الغضب، ويبث الأمل وقت اليأس، خاصة مع الأوضاع الراهنة في مصر، وبصراحة (يؤدبني) وقت النرفزة، وهو شديد الحرص على ألا أفقد تركيزي فيما أجيد، أو فيما يرى أنني أجيده، وهو الكتابات الفكرية وقد كان في الجامعة يقرأ مقالي الإسبوعي في مجلة الجامعة ويعلق عيه، وقال لي مرة: إنت بتاع المعنى اللي يوصل في كلمتين، متبطلش تكتب مقالات، أتذكر أنه قال لي هذه الكلمات ونحن في منزله بالساحل الشمالي بعد انتهاء الفصل الدراسي، نتحدث وقت الغروب عما يمكن القيام به لبناء مصر أفضل، فلا أظن أحدا اهتم بهذا الموضوع كاهتمام الدكتور عماد، ولا تزال نصيحته تلك تمثل دافعا كبيرا لي للكتابة، وقد أعادها مرة أخرى قبل أيام في حوار دار بيني وبينه عبر الإنترنت، عندما طلب مني أن أعطي المزيد من الوقت للكتابة، وسأفعل ذلك إن شاء الله ذات مرة بعثت له مجموعة من الإيميلات فلم يرد، فقلقت واتصلت به فلم يرد، ثم اتصل هو بي في اليوم التالي، وأخبرني بأنه كان مريضا بسبب الإرهاق، فلما طلبت منه أن يرتاح قال أنه لن يرتاح حتى يشعر أنه قدم شيئا للبلد، أتذكر كم صدمتني تلك الكلمة، لأنه بالفعل قدم الكثير، من طلبة (صنعهم) وعلمهم ورباهم، لمراجع شارك في كتابتها، لأفكار كتبها وحلقت في سماء المعرفة، ولكنه التواضع والان وبعد أن سافرت أدركت ما كان يقوله الدكتور عماد حين يحدثني من خارج البلاد فيقول: أنا عايش في أمريكا وقلبي في مصر، وحاسس إنني مشلول علشان مش عارف أعمل أي حاجة للإصلاح في بلدي وأنا في الخارج، مع العلم بأنه كان يعمل الكثير عشرات المواقف الأخرى أذكرها، وأتذكر المزيد في كل ثانية، ولكن لا بالقلم (ولا بالكيبورد) أستطيع أن أوفي أستاذي حقه، ولا أستطيع أن أكتب من المواقف الشخصية من دون إذنه، ولكن يكفي القول أنني لم أجد شريفا من أي من التيارات المختلفة إلا ويحب الدكتور عماد، على الرغم من أنه قد يكون مختلف معه فكريا بوضوح، ولكنه مدرسة حقيقية، تتعلم منها العلم والأخلاق كلماته ونصائحه دائما بسيطة وواضحة، حتى تظن معها أنها غير كافية أو غير عميقة، ولكن الحقيقة على عكس ذلك تماما، فهو يؤمن –كما كان يعلمنا في المحاضرات- أن التعقيد المبالغ فيه ليس شيئا جيدا، وبالتالي فهو يصل إلى قلبك وعقلك بفكرة بسيطة من كلمات معدودة منها: الحل ليس الان، ولكنه يبدأ الان بإعداد كوادر قادرة على التعامل مع الواقع وفهمه والتواصل مع الناس بشكل جيد والتخاطب مع العالم بلغته وأنا في الحقيقة أكتب الكلمات ثم أمحوها لخصوصيتها، ولكني لا أستطيع أن أنساه في الدعاء هذا هو رابط أحد مقالات الدكتور عماد الدكتور عماد الان في مصر، في أجازة، وأنا الان خارج مصر، ولكن بإذن الله سأعود لأراه قبل أن يسافر، يا رب...بارك للدكتور عماد، واجزه عما يقوم به للأمة الخير كل الخير

Wednesday, June 27, 2007

لن أكتب تدوينة حماس

أولا جزى الله خيرا كل من سأل عني أو أرسل تعليقا أو تذكرني في دعائه خلال الأيام الماضية، وأسأل الله الكريم أن يتقبل من الجميع، وأن يجزيهم عني خيرا المهم بقة، أنا بعد شوية تفكير قررت ألا أكتب التدوينة التي كنت قد وعدت بها والمتعلقة بحماس وما يحدث الان في الأراضي المحتلة، وذلك لعدة أسباب أولا بصراحة أنا حاولت أكتب التدوينة، وبعد أول كام سطر حسيت أني مش عارف أكتبها، علشان أنا عارف إن الموضوع للأسف حساس جدا بالنسبة للكثيرين، وللأسف تعلمت من تدويناتي السابقة أن قدرتنا على تقبل (رأي مختلف) في مثل هذه القضايا ضئيلة جدا جدا،وعلشان كدة كنت بفكر كتييييير أوي قبل كل كلمة بكتبها الناس ممكن تفهمها إزاي، وتفسرها إزاي، وتتقبلها ولا لأ، علشان بصراحة أنا مش قادر أدخل في حالة دفاع عن النفس تاني ودا أمر غير أخلاقي في الكتابة، يعني مش ممكن أكون بكتب علشان الناس تتقبل، ومش ممكن أكون (بأيف) وجهة نظري لترضي القراء في الموضوع ده تحديدا حصل إختراق لمساحتي الخاصة، المساحة التي تفصل بين عقلي والكيبورد، من قبل أخوة يرون حماس (ملائكة لا يخطئون) ومن ثم فمجرد نقدهم كارثة الحقيقة أنه لم تتم مناقشة أي من الأفكار التي طرحتها تمت مناقشة شخصي، ونيتي في الكتابة، وغروري، بل وأسرتي وأجدادي (للمرة الثالثة في شهرين)، وعلاقتي بهم ومدى تأثري بهم، وتلك مساحة بعيدة عن البعد عما طرحته، وهي مساحة شخصية وخاصة جدا، ولا علاقة لها بما أكتبه وأدونه، وقد كنت أفضل أنني كما آثرت عدم الخوض فيها أن يحترم القارئ خصوصيتي في هذا الأمر وعندما أكتب في هذا الضغط، فإن جزءا من الكتابة سيذهب في محاولة شرح حسن النية من الكتابة، وهو نوع من النفاق وتملق القارئ أراه بعيدا عن الأخلاقية في الكتابة والخيار الثاني (وهو الذي اخترته دائما) هو أن أكتب ما أراه، وأتحمل نتيجة ردود الفعل وبصراحة، وفي ظل الضغط الذي أعيشه من القضية نفسها أصلا، ومن مجريات الأمور من حولنا، لا أظنني أقدر على ذلك أنا عارف إن اللي أنا بعمله غلط، وعارف إنني المفروض أكتب بس أنا فعلا مش قادر على القرف يعني مرة جريدة زي روز اليوسف المشبوهة تاخد الكلام وتأوله على أنه هجوم على الإخوان، ومرة بعض الإخوة يقوموا بالأمر نفسه اللي بيحصل دة هو تحديدا اللي سميته قبل كدة (عسكرة ساحات الفكر)وده أمر مدمر لأي جد بيحاول يفكر متفهمونيش غلط،مش معنى الكلام ده إني مش هدون في أمور بنفس درجة الحساسية بعد كدة، بس اليومين دول هدون عن أمور أخرى، خاصة أن هناك من يقوم بفرض الوقت، أو النقد الذاتي في هذا الأمر، ومنهم عبد المنعم محمود ومجدي سعد وغيرهم السلامو عليكو

Friday, June 01, 2007

لسة

قضايا الحريات لا تعرف التجزئة مش ممكن نشعر بالحرية إلا إذا شملت الجميع مش ممكن أشعر إن أنا حر إذا كان هناك من سلبت حريته لو لم يكن ادراكا لأهمية الحرية كقيمة تصنع الإنسان، الذي ميزه خالقه على غيره من المخلوقات بأن جعل له العقل وحرية الإختيار (وهديناه النجدين) والتي يحاسب على خياراته فيها لو لم يكن لهذا السبب، لكان لسبب آخر، وهو أن الحرية لو منحت لبعض السجناء السياسيين دون الجميع فهي ليست حقيقية لأنها تعبر عن تكتيك سياسي في الإفراج عن البعض بسبب المعادلات السياسية، وبالتالي فقد نكون نخن خارج السجون اليوم، ويكون غيرنا خارجها غدا، ونأخد نحن أماكنه بالداخل أقول هذا كله لأن سعادتي بخروج أخي عبد المنعم محمود من المعتقل كادت أن تنسيني أن القضية ليست قضيته وحده، أقول كادت لأنني لم أتذكر ذلك إلا في السطر الأخير من التدوينة التي كتبتها وقتها كانت صحفية قد سألتني أسباب الإفراج عن منعم، فقلت لها أن السؤال لا يجب أن يكون لماذا أفرج عنه، بل لماذا اعتقل، لأن منعم مكانه ليس أبدا السجن الأمر نفسه ينطبق على كل المعارضين السياسيين الشرفاء المسجونين، والذين يواجه بعضهم محاكمات عسكرية أقل ما توصف به أنها ظالمة، وواجها البعض الاخر منذ أشهر ويقبع بسببها في السجن، وبعضهم واجه محاكمة يفترض أنها مدنية، تم اختيار قاضيها بعناية (وهو نفس القاضي في الحالات كلها) ليواجه أيضا عقوبة السجن الحقيقة كما قلت من قبل أن الإفراج عن منعم لا يجب أن ينسينا (وأنا متأكد أنه لن ينسي منعم) أن الطريق مازال طويلا، وأن السجن به من المعتقلين المظلومين من نتفق معهم في المنهج والرؤية (كمعتقلي الإخوان سواء المحالون إلى المحكمة العسكرية أو غيرهم) ومنهم من أختلف معه في المنهج والإسلوب والرؤية، ولكني أدافع كذلك عن حقه في الحرية، لأن الخلافات الفكرية لا يجب أن تحسمها المحاكم أبدا، ومن هؤلاء طبعا كريم عامر لسة الطريق طويل لسة في 20 ألف معتقل في مصر مسجونين بدون أحكام قضائية لسة في عشرات حالات التعذيب، والفيديو ده إللي عملاه هيومان رايتس واتش يشير إلى بعضها لسه في صحف ممنوعة، مثل صحيفة الشعب لحزب العمل، اللي هو كمان مازال مجمدا رغم صدور الكثير من الأحكام القضائية لصالحه لسة في أربعين إصلاحي مصري (هما إخوان ولكن ليست القضية كونهم إخوان ولا لأ، القضية أنهم يدافعون عن أبناء هذا الوطن وحقوقهم) يواجهون محاكمة عسكرية، وجلستها القادمة يوم الأحد، وهناك وقفة احتجاجية ومؤتمر جماهيري حاشد غدا في نقابة الصحفيين، أرجو من الجميع الحضور والمشاركة، وأولهم إن شاء الله منعم لسة طلبة الجامعات بيعانوا من خنق أمني كبير لهم في جامعاتهم لا يمكنهم من التعبير عن آرائهم، وتنمية قدراتهم على المشاركة في عمل سياسي سلمي في ظل جو من التسامح يقبل بالاختلاف ويوظفه ويتعامل معه بإيجابية لسة النظام بيحارب الحق الدستوري للشعب المصري في التظهر والتجمعات السلمية للتعبير عن الآراء السياسية، النظام لسة بيحارب هذا الحق ويقيده لسة واحد زيي وهو بيكتب الكلام ده بيحس إنه بياخد مخاطرة، وأنه من الممكن أن يؤاخذ أو بفقد حريته بسبب هذا الكلام، لسه العساكر بتوع الأمن المركزي ماليين ساحات المظاهرات، وضباط أمن النظام (مش عارف لماذا تسمى أمن الدولة) متواجدين وبكثافة في عقول الكتاب والمفكرين، يمنعوهم من حرية التفكير، وحرية التعبير لسة العمال بيتظاهروا كل يوم علشان حقوقهم، ومحدش بيسمع غير كل فين وفين، ومنظمي الاحتجاجات بتعرضوا لمشكلات لا حصر لها مع الأمن، لأنهم يدافعون عن حقوق العمال لسة مقالات الأستاذ فهمي هويدي بتتمنع من الأهرام، ولسة بيعتبروا الإخوان جماعة محظورة، ولسة صور الرئيس دائما في الصدارة، ولسة الرئيس دائما هو الحكيم، وهو دائما على حق، وأي أحكام قضائية يرتاح لها النظام تظهر في صفحات الجريدة الأولى، وأي قرار لا يرتاح له يختفي، وقد يظهر من أصدره في صفحة الوفيات، ولسة في برنامج قذر اسمه حالة حوار، ولسة المذيع اللي اسمه تامر بتاع البيت بيتك موجود يهاجم كل ما لا يحبه النظام، ويمجد ويعظم في آلهة النظام، يعنس لسة الإعلام ليس حرا لسة الوزراء غير المرغوب فيهم موجودين، والوزراء اللي الناس بتحبهم بيمشوا، وكذلك المحافظون، ولسة التغيير الوزاري ليس للشعب علاقة به سواء في توقيته أو في اختيار أشخاصه، أو حتى معرفة معايير هذا الاختيار، بل هي كلها (ظواهر طبيعية) كما أشار أحد الكتاب لا أتذكر من هو، يعني لسة الشعب المصري كله مقهور، ولا يشارك في القرارات السياسية، ولا في اختيار ممثليه لسه طريق الحرية طويل يبدأ غدا برفض المحاكمات العسكرية ولا ينتهي إلا بعد انتهاء كل المشكلات التي أشرت إليها لا ينتهي حتى تكون مصر كلها...حرة كما تعلمنا في النشيد الوطني مصر أنتي أغلى درة فوق جبين الدهر غرة يا بلادي عيشي حرة واسلمي رغم الأعادي...أو قل، رغم الإستبداد