Saturday, July 14, 2007

أصله مش قرآن

واحد صاحبي بيكلمني في التليفون من كام يوم بيقولي إيه يا عم الأي كلام اللي عندك عالمدونة دا، اللي يقرأ الكلام اللي إنتا كاتبه من كام شهر، ويرجع يقرا اللي كاتبه دلوقتي، خصوصا في تحليلك للواقع السياسي المصري يلاقي عندك كلام بيناقض بعضه الحقيقة أنا لم أستفسر منه عن التناقضات التي وجدها، فتلك قضية لم تشغلني، ولا أعرف في الحقيقة إن كانت هناك تناقضات أم لا، ولكن بدون شك فقد تغير رأيي في بعض الأمور، ربما مع سير الأحداث، وربما ومع إعادة التدقيق، وربما مع توافر كم أكبر من المعلومات، وربما مع النظر من وجهة نظر أخرى، وربما،لبعض من هذه الأسباب أو غيرها مجتمعة المهم إني رددت على صاحبي بأول كلمة مرت على عقلي أصله مش قرآن من الطبيعي أن يتغير رأيي، لأن معلوماتي بطبيعة الحال ليست كاملة، ولا أحد معلوماته كاملة إلا خالق الخلق سبحانه، ولذلك قال (ذلك الكتاب لا ريب فيه)، بينما قال أنبياؤه (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله)، يعني إحنا مهما بلغ علمنا فسيبقى قليل، وسيبقى غير كامل، وسيبقى قابل للتغيير والتطور فكما قلت من قبل، الحق، المعرف بالألف واللام لا يقدر عليه إلا العليم الخبير، هو وحده قوله حق لا ريب فيه (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل) وأنا عارف إن رأيي بيتغير، ولا أرى في ذلك حرجا، فأنا في أول أيام ما حدث في غزة كنت شديد التعاطف مع موقف حماس، ثم بعدما ناقشت بعض الأخوة، وقرأت بعض التفاصيل، وفكرت في الأمر مرة أخرى، غيرت رأيي، فلم أعد أرى أن ما فعلته حماس هو الأصوب على الإطلاق، بل وأختلف معه بشكل كبير، وقد يكون رأيي هذا صوابا، وقد يكون خطئا، ولكنه ليس (الرأي الصواب)، لا هو ولا غيره من الاراء وقد كنت معارضا لنزول الإخوان في انتخابات مجلس الشورى، ثم لما ناقشت أحد أساتذتي من الإخوان، وربما أحبهم إلى قلبي،(في مكان لا أتمنى وجوده به) في مناقشة طالت ربما ساعتين، تفهمت النزول، ورأيت وجهة النظر المختلفة، فتذكرت كلمة الدكتور حبيب التي قالها من قبل (زاوية النظر 360 درجة، ولذلك من الطبيعي أن نكون 360 رأي حول كل قضية، ولا ضرر في ذلك، بل كلما تعددت الآراء إقتربنا من الصورة الكاملة) وهذا دوما قول المؤمنين، بل وقول كل عالم، لأن العلم هو الذي يعلم المرء أنه لا يدرك الحقيقة كلها، فكما يقول الشافعي كلما ازداد علمي زادني علما بجهلي وللشافعي أيضا كلمة معروفة ومشهورة في هذا السياق يقول فيها رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب فهو يؤمن بصواب ما يقول، وإلا ما كان يجب أن يقوله، ولكان قوله هو انسلاخ عن الأمانة العلمية، وهو يظنه صوابا لأنه بذل من الجهد والفكر لإصداره ما يجعله يطمئن إلى أنه استفرغ الوسع، ولكنه في الوقت ذاته يعلم أنه مهما أوتي من علم فستظل هناك أمور لم يحط بها، وبالتالي فقد يكون الحق في غير ما يقول وأنا أعقد المقارنة هنا بين فقه الشافعي وتحليل الواقع المعاصر باعتبار كلا الأمرين علما، يحتاج إلى الفهم والمعرفة معا وفي كلا الحالتين، فإن من يصدر عنه العلم لم يحقق الكمال في أي من الطرفين، سواء الفهم أو المعرفة وأظن أن دراسة الواقع لها دور كبير في تكوين الرأي الفقهي، وقد كتبت مقالة في هذا السياق نشرت في مجلة المسلم المعاصر، وقد أعيد نشر أجزاء منها على المدونة بإذن الله المهم هنا هو أن من لم يدرك تلك الحقيقة، حقيقة محدودية علمه وفهمه، كان فرعون، الذي قال لقومه ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد أعود فأقول، إن اختلاف آرائي وتطورها في بعض القضايا لا يقلقني على الإطلاق، بل لعلي لا أخفي سرا إن قلت أن ذلك كان أحد أهداف تدويني، أن أكتب ما يدور في رأسي، فذلك كاف لتطويره، ثم أستقبل عليه ردودا وتعليقات، فأرى الأمور بوجهة أخرى أنا أكتب لأنني غير مستعد لأن أحرم نفسي من حقي في إنسانيتي، من حقي في أن اجتهد وأخطئ، ثم أجتهد فأصيب أو أخطئ، وأراجع نفسي، وأقيم ما أكتب وما أفعل، وذلك هو ما تعلمته، فليست المحاسبة فقط أن يحاسب المرء نفسه على أوراد الصلاة والقرآن، وإنما أن يحاسب نفسة على آرائه وأفعاله وأفكاره، ويراجعها أن يراجع نفسه فيحدد ما هي ثوابته الفكرية، وكلما تقلصت كان أفضل وأن يراجع معتقداته في ضوء ثوابته وأن يراجع أفعاله في ضوء معتقداته وأن يراجع نتائجه في ضوء أهدافه وأن يراجع أهدافه في ضوء معتقداته أنا شخصيا أعود دائما لما أكتب، سواء ما نشر وما لم ينشر، وأراجع أفكاري فيه، وأناقشها مع نفسي أو مع غيري، وأعيد النظر في أولوياتي، وأراجع أفعالي ونشاطاتي وفقا لأهدافي التي أضعها لنفسي بشكل دوري، وأراجع هذه الأهداف ذاتها في كل مرحلة جديدة، ومن ثم فمن الطبيعي أن تتغير أفكاري، وتتطور صاحبي وحبيبي اللي كان بيكلمني، فعلا شكرا على الإشارة الهامة دي

Sunday, July 08, 2007

رجال الدولة...ورجال الأعمال

أتصور أن الوطنيين المصريين الحريصين على هذا الوطن باختلاف اتجاهاتهم السياسية والفكرية لا يغمض لهم جفن ولا يهدأ لهم بال بسبب قلقهم المبرر من الأوضاع الراهنة في (أم الدنيا)، فقد عمت الفوضى فعم البلاء. وأظن أن أهم مظاهر تلك الفوضى في دوائر الحكم هو ذلك التداخل الخطير في المفاهيم، وسحب بعض المفاهيم من مجالات معينة ووضعها في غير سياقها مع مجموعة من المفاهيم الأخرى. ومن هذا أعني تحديدا الخلط الفلسفي بين ما هو سياسي وما هو اقتصادي، أو بين دور رجل الدولة ودور رجل الأعمال. وقد أدى هذا الاختلاط إلى تشوهات بالغة في دور الدولة على الأصعدة المختلفة (السياسية- الاجتماعية- الاستراتيجية- الجيوبوليتية) فأضحت الحكومة كما أشار الكاتب الساخر إبراهيم عيسى قبل فترة (مجلس إدارة مصر) ولست هنا أحاول اتخاذ موقف متحيز ضد رجال الأعمال، فأنا على العكس من ذلك أرى أن وجود مجموعة كبيرة من رجال الأعمال المستقلين والوطنيين قد يكوم دافعا كبيرا باتجاه الديمقراطية الحقيقية، ولكني بصدد تقييم تجربة تكررت في أكثر من ركن من أركان الوطن العربي وتتكرر الآن في مصر؛ وهي تجربة إدارة الدولة بسكل مباشر من قِبَل رجال الأعمال فرجل الأعمال هو شخص يسعى نحو تحقيق (أرباح) من خلال مجموعة من الأعمال يديرها. وتقييم نجاح رجل الأعمال يكون من خلال تحقيق هذا الهدف؛ أي أن من يحقق أرباحا أعلى فهو الأنجح.
وبعبارة أخرى يمكن القول بأن تحقيق هذه الأرباح هو القيمة/الخلق
(ethic)
الرئيسي الذي يجب على رجل الأعمال التحلي به. ولا أقصد بذلك نفي الأخلاقية الفلسفية/الدينية عن رجل الأعمال على الإطلاق،ولكني فقط أشير إلى أن القيمة المحركة له في عمله لا يمكن أن تكون إلا تحقيق الأرباح. نعم قد يكون هذا الرجل صالحا يستخدم هذا الربح في الأنفاق على الفقراء وكفالة الأيتام، وقد يكون غير ذلك يستخدم هذه الأموال في أعمال منافية للأخلاق ولكنه في كلتا الحالتين يسعى لتحقيق الربح. فلو أنه كان يخسر في أعماله ولكنه ينفق في أعمال البر والخير فهذا يجعله أنسانا صالحا ولا يجعله رجل أعمال ناجح. ومن أجل تحقيق هذه الأرباح يسعى رجل الأعمال لتضخيم العوائد وتقليل المصروفات من خلال عمله في إطار قانوني واضح تديره الدولة. وهو يسعى لتحقيق ذلك عن طريق وسائل متعددة. فمن أجل زيادة العوائد يسعى رجل الأعمال لزيادة المبيعات، ويمكن له كذلك أن يرفع الأسعار من أجل زيادة العوائد، وهو يحرص دائما مع رفع الأسعار على إعادة طرح منتجاته بصورة جديدة تبرر للمشتري تلك الزيادة في الأسعار. وعلى الجانب الآخر يسعى رجل الأعمال لتقليل مصروفاته بوسائل شتى؛ قد تشمل فصل الموظفين والعمال وتقليل أعدادهم وتشمل كذلك تخفيض المزايا والخدمات الموجهة لهؤلاء الموظفين؛ هذا بالاضافة إلى وسائل أخرى وتعددة يعلمها أهل الاختصاص تؤدي في النهاية إلى خفض مصروفات الشركة على نحو يؤدي إلى زيادة أرباحها. تبقى الإشارة إلى أن رجل الأعمال يدير أعماله في أطار الدولة؛ أي أنه في مقابل الضرائب التي يدفعها (أو يتهرب منها على حسب قدر صلاحه كشخص) يوكل الدولة بحفظ أمن ممتلكاته وتأمين ألا ينهبها رجل أعمال آخر أو يضع يده عليها غيره. ولا يعني كل ما ذكر بطبيعة الحال أن هذه هي العقلية المتحكمة في كل رجال الأعمال، فذلك غير ممكن بطبيعة الحال. ذلك بأن لكل قاعدة هناك مجموعة من الاستثناءات تثبتها ولا تنفيها. كما أن إدارة الأعمال بالشكل السابق ذكره لا تعني بالضرورة غياب الأخلاقية عن رجل الأعمال. فهو كما سبق قد يكون يستخدم الربح في أمور خيرية، وذلك بالطبع شريطة ألا يكون متهربا من الضرائب أو متعسفا في فصله للموظفين...إلخ ننتقل بعد ذلك إلى مناقشة عقلية رجل الدولة؛ فإذا كان تحقيق الربح هو العامل المحرك والبعد الأخلاقي/القيمي لرجل الأعمال فإن لرجل الدولة بعد أخلاقي/قيمي آخر هو تنمية المجتمع والحفاظ على وحدته وتماسكه وقيمه وتحقيق غاياته ومصالحه وحمايتها؛ ومن ثم فإن غياب الأخلاقية عند رجل الدولة هي تقصيره في أداء تلك الأدوار. وما ينطبق على رجل الأعمال ينطبق على رجل الدولة في هذا الإطار؛ فإذا كان رجل الدولة فاسدا شاربا للخمر مثلا فإن هذا يقدح فيه كشخص لا كرجل دولة، وإذا كان صالحا ولكنه غير كفء فإن هذا يقدح فيه كرجل دولة لا كشخص، وهو ما جعل أحد الفقهاء يقول من قديم إنه يفضل الحاكم القوي الفاسد على الضعيف الصالح (لأن القوي قوته تنفع الأمة وفساده يضره وحده والضعيف ضعفه يضر الأمة وصلاحه ينفعه وحده)؛ على أن الأصح بكل تأكيد هو الصلاح في الاتجاهين لأن الأخلاق لا تعيش في كانتونات منفصلة عن بعضها البعض بحيث لا يؤثر بعضها في بعض. على كل فإن هذا الدور لرجل الدولة يشكل عقلية مختلفة عن تلك التي يتحرك بها رجل الأعمال. فرجل الدولة لا يكون منشغلا بتحقيق (أرباح- نمو اقتصادي) بقدر اهتمامه بعدالة توزيع هذه (الأرباح) على المجتمع وكفايتها لقضاء الحاجيات الأساسية لجميع أفرداه؛ ذلك أن للدولة دور تجاه أفرادها الذين انتخبوها (ولو نظريا) لتمثل مصالحهم. لأجل ذلك يصبح فصل الدولة للموظفين عمل غير أخلاقي، لأنها تقطع عنهم مورد رزق هي مسؤولة عن توفيره، ويصبح خفض وإلغاء الدعم غير أخلاقي لأنه يجعل السلع الإساسية مستحيلة التوافر على محدودي الدعم فضلا عن معدوميه (الذين يمثلون رقما كبيرا لا يمكن تجاهله في المجتمع المصري). وهناك دور آخر هام جدا للدولة هو توفير الأمن اللازم للمجتمع؛ وذلك لغياب (دولة عالمية) تحفظ هذا الأمن، وهو دور طالما غفل عنه رجال الأعمال في حال تحولهم لرجال دولة؛ فهم لا يفقهون (غالبا) الفارق بين القانون المحلى (الذي تضطلع أجهزة الدولة بتطبيقه كجزء أساسي من مهمتها) وبين القانون الدولي الذي لا توجد مؤسسة قائمة على تطبيقه. ولعل مثال الرئيس سعد الحريري في لبنان (فك الله كربه وأخمد نار الفتنة فيه) هو مثال جدير بالدراسة. فالحريري هو رجل أعمال من الطراز الأول؛ كان يدير عددا كبيرا من المؤسسات ذات الطابع الربحي بنجاح ثم فجأة جاء اغتيال والده الرئيس رفيق الحريري لينقله من خانة ادارة الشركة إلى خانة ادارة الدولة؛ هكذا وبدون مقدمات وجد الحريري الابن نفسه في قلب الحياة السياسية اللبنانية، وإن بقى عقله على شاكلته لم يتغير فأصبح (مديرا للدولة). من هذا المنطلق يمكن فهم الغالبية العظمى من المواقف السياسية (أو قل الاقتصادية) للحريري وتيار المستقبل الذي يتزعمه؛ فهو ينظر إلى العلاقة بالغرب على أنها علاقة عمل ستدر الأرباح على لبنان؛ وذلك بقطع النظر عن كيفية تأثير ذلك على المجتمع اللبناني، وعن الأبعاد المتعلقة بالأمن القومي اللبناني وعلاقاته بجيرانه وعلاقته بنفسه داخليا. وما حدث في لبنان بشكل فج ومفاجئ حدث في مصر بشكل متدرج على مدار الأعوام القليلة الماضية. ففي نهاية القرن الماضي ظهرت في الأفق (لجنة السياسات) في الحزب الحاكم بنفوذها الكبير، ومنذ البداية ضمت اللجنة عدد لا بأس به من رجال الأعمال؛ الأمر الذي اعتبره عدد كبير من (المحللين) السياسيين وقتها إيجابيا لأنه سيكون عامل دفع باتجاه اقتصاد السوق. وما هي إلا أشهر معدودة ونجحت هذه (النخبة السياسية الجديدة) في تغيير رئيس الوزراء بسبب ابطائه في عمليات الخصخصة، المهم أن اللجنة بدأت حسب تعبير الصحف الرسمية تتجه بمصر نحو اقتصاد السوق، وحسب توصيف هذه الدراسة (وأظنه الأكثر دقة) فإن اللجنة حولت مصر إلى شركة تديرها. ومن الظواهر التي تدل على ما أقوله أختار القليل محاولا الاكتفاء بوصف الظاهرة من دون التعقيب عليها لأن هدف هذه الورقة ليس السخرية من الواقع بقدر ما هو توصيفه على نحو دقيق في ظل تحرر من (قوالب التحليل والتوصيف) التي قمنا باستيرادها من نماذج سياسية واجتماعية أخرى من دون مراعاة الفوارق الاجتماعية، ومراعاة أن هذه النماذج ما هي إلا أدوات تستخدم لتوصيف ظواهر اجتماعية وسياسية واقتصادية وإذا لم توصفها بشكل دقيق فيجب استبدالها لأنها ليست مقدسة ولا مفيدة إلا بقدر قدرتها على التوصيف. أعود فأقول إن عقلية ادارة الشركة تجلت في تصرفات وقرارات وسياسات متعددة للحكومات المتلاحقة منذ اندماج رجال الأعمال برجال الدولة في مصر خلال العقد الماصي. فنرى على سبيل المثال أن الدولة قد تخلت بشكل واضح عن دورها الاجتماعي من خلال سياسة الخصخصة وما لازمها من فصل لموظفي الشركات المخصخصة (خاصة أن العقلية الحاكمة لم تكن تهتم حقيقة بمصير الموظفين لأن الأهم بالنسبة لها كان البيع وجمع الأرباح لإضافتها كرقم في ميزانية الدولة على أحسن الفروض). وعلى الجانب الاقتصادي سعت الدولة لزيادة مواردها بعقلية الشركة، فهي لم تفعل ذلك عن طريق زيادة الضرائب والجمارك مثلا، فذلك أمر لا يفضله رجال الأعمال في العادة، ولكنها سعت لزيادة مواردها عن طريق فرض رسوم جديدة على خدمات يفترض أن تؤديها مثل النظافة وبعض المرافق العامة التي زادت أسعار استغلالها (مثل الحدائق العامة وطرق السفر وغيرها). أما على النظام الداخلي فقد تعاملت الدولة مع المعارضة كما لو كانت مجموعة من الموظفين الخارجين على نهج الشركة فكان لابد من معاقبتهم على اعتبار أن ما فعلوه يخرج عن إطار الشرعية لأنه ليس للعمال والموظفين الحق في مشاركة (مجلس الادارة) في اتخاذ قرارات وسياسات الشركة. فمجلس الادارة يحق له اتخاذ كافة القرارات؛ وإذا كان قد سمح للموظفين بالإدلاء بآرائهم والتعبير عن رؤيتهم لمستقبل الشركة فإن ذلك ليس إلا من باب (الشورى المعلمة لا الملزمة) التي قد يأخذ بها مجلس الادارة إن رآها في مصلحته وقد يرفضها من دون أن يحق لأحد محاسبته. فالشركات بطبيعة الحال ليست واحات للديمقراطية، وإذا أعطى رئيس مجلس الادارة مساحة مشاركة وحرية أكبر للموظفين فليس ذلك إلا (هدية) منه‘ ومراجعة (رأي الأهرام) ومقالات رؤساء تحرير (الصحف القومية) وكيف تعاملت مع (قرارات) الدولة لزيادة مساحة الحرية (أو هكذا زعموا) توضح كيف أن الدولة بأجهزتها المختلفة تتعامل مع مصر كما لو كانت شركة. وأخيرا وعلى صعيد الأمن القومي فتلك قضية غائبة عن وعي مجلس ادارة الشركة لأنها تعمل في دولة القانون. ورجال الأعمال الجالسين على مقاعد رجال الدولة يظنون فيما يبدو أن هناك (حكومة عالمية) مناطة بتطبيق القانون وبالتالي هم في غير حاجة لاعتبار هذا الجانب في سياساتهم. وقد ظهر غياب هذا الجزء جليا في أمور مثل نوع العلاقات المقامة مع الدول المعادية (اتفاقية الكويز كمثال) والتعامل مع الأزمات المشتعلة في المنطقة (التعامل مع حماس، والموقف من قضية دارفور وقضية الصومال) ويظهر كذلك في خفض الإنفاق على التسليح (ولا أقول الإنفاق العسكري) على اعتبار أن تلك مصروفات نحن في غنى عنها في عصر السلام، ويمكن على أسوأ حال الاستعاضة عنها بعلاقات اقتصادية وسياسية جيدة مع أطراف بعينها. وقد كانت لتلك السياسات آثار شديدة السلبية على المجتمع المصري؛ نسعى لفهمها هي الأخرى من خلال وضع تصور نظري يتناسب معها. فأولا وعلى الصعيد الاقتصادي حققت هذه السياسات نجاحات رقمية في الميزانية المصرية (وذلك نتيجة لضعط المصروفات وزيادة العوائد) ولكن هذه النجاحات الرقمية لم تتم ترجمتها لتحسين مستوى المعيشة، وذلك لأن الدولة قللت من مسؤولياتها الاجتماعية فلم تعد يدها تصل للجميع لتعطيه ولو القليل، بل أصبحت تعطي (المواطنين-الموظفين) الفعالين والمنتجين فقط باعتبار أن هؤلاء دون غيرهم هم (المستحقون) للرواتب. فهذا فارق كبير بين الشركة التي لا تعبأ إلا بالموظفين المنتجين الذين يساهمون بشكل إيجابي في زيادة أرباحها في حين أن الدولة مسؤولة عن كافة مواطنيها سواء (الفعالين) منهم أو (غير الفعالين) من يتامى وأطفال شوارع وعجائز ومرضى وأصحاب إعاقات وغيرهم من غير القادرين على العمل بفعالية. فالفئة الفعالة (خاصة كبار رجال الأعمال) شعرت بهذه النجاحات الرقمية التي انعكست عليها بشكل إيجابي، أما غير الفعالين وأنصاف الفعالين فلم يشعروا بأي تحسن ناتج عن هذه (الإصلاحات). من هنا نستطيع أن نفهم تصريح المسؤول الكبير في لجنة السياسات الذي دافع عن فعالية سياسة حكومته قائلا إنها تقوم بإصلاحات حقيقية ولكن الناس لا يشعرون بها. المهم أن هذه السياسات كان من نتائجها المباشرة اضمحلال الطبقة الوسطى، وهي تلك المعتمدة على الخدمات الحكومية لتوفير حياة كريمة لها. فلما أقلعت الدولة عن أداء تلك الخدمات، أو على الأقل رفعت أسعارها سقطت تلك الطبقة –أو سقط معظمها- في مستنقع الفقر. أما أخطر ما في الأمر هنا فهو عجز الدولة عن رؤية تلك المشكلة وكافة المشكلات الناتجة عن سياساتها. ذلك أن الطيور على أشكالها تقع، والمرء على دين خليله، فإن رجال الأعمال الناجحون الجالسون على مقاعد رجال الدولة إنما يصادقون أمثالهم من رجال الأعمال الناجحين المستفيدين من الإصلاحات الحكومية من تخفيض للجمارك وغيرها من السياسات التي تصب في مصلحة كبار رجال الأعمال. ولأن حسن الظن بالناس من الأمور الواجبة، ولأننا يجب أن نلتمس الأعذار للناس فإنني أختار أن أفسر عدم احساس الدولة بالمشكلات المجتمعية التي تحققها على أنه نتيجة اعتماد (مجلس ادارة الدولة) على اصدقائهم المقربين في تقييمها، وهؤلاء المقربون يشعرون أن السياسات ناجحة، ولكنهم بكل تأكيد قلة قليلة لا تمثل شيئا في ميزان الديمقراطية الذي تميل كفته على الدوام لصالح الغالبية العددية لا المالية. وكلما زاد فشل هذه السياسات وكلما زاد تدميرها للطبقة الوسطى ازداد إحساس القائمين عليها بنجاحها؛ ذلك لأن انهيار الطبقة الوسطى يؤدي لقطع الروابط بين (مجلس الادارة) وبين عامة الشعب بعد أن كانت الطبقة الوسطى تؤدي (جزئيا) هذا الدور. أما النتيجة النهائية لهذه المسيرة فهى الانهيار التام للدولة. فمع غياب الدور الاجتماعي للدولة فإن هناك جهات مدنية أخرى ستقوم بهذا الدور (خصوصا في ظل وجود قيمة الزكاة كقيمة لا يمكن حذفها بسهولة من وجدان المجتمع المصري)، ومع تركيز الأمن على حماية النظام على حساب الشعب فإن الشعب سيلجأ لأساليب أخرى للأمن (وهو ما يظهر جليا من خلال الارتفاع الكبير في كم الجرائم الانتقامية أو الدفاعية التي يقوم بها المواطنون بأنفسهم بدلا من توكيل الدولة بالقيام بذلك) وعلى الجانب الاستراتيجي سيبقي الوطن معرضا للخطر وفي حالة تهديد دائم لأمنه تمنعه من تحقيق أي تقدم حقيقي وعلى الصعيد الاجتماعي ستزيد الرقعة ما بين الشعب والدولة ويقل احترام الأفراد للدولة والقانون (يظهر ذلك جليا في تصرفات قادة السيارات على سلبيل المثال). أما الأخطر من ذلك كله فهو ازدياد الاحتقان الاجتماعي بسبب غياب القاسم المشترك الذي يجمع أبناء المختلف، ويساهم غياب الطبقة الوسطى في ازدياد حدة هذا الاستقطاب بين الطبقات الاقتصادية المختلفة. وليس المقصود من هذه الورقة التقليل من أهمية دور رجال الأعمال في المشاركة في إحداث النهضة المطلوبة؛ فلإحداثها لابد من وجود مؤسسات اقتصادية قوية يقوم رجال الأعمال بتنميتها. وإنما المقصود من هذه الورقة هو التنبيه للنتائج الخطيرة المترتبة على تداخل التخصصات، وتحديدا تدخل رجال الأعمال بشكل مباشر في ادارة الدولة. هذا نذير عريان إلى القائمين على الحكم، وإلى الوطنيين المهتمين بالشأن العام. فإن غرق السفينة لا ينجو معه أحد، والحمد لله رب العالمين.

Friday, July 06, 2007

غسلت

هو الموضوع غريب شوية أنا عارف، بس دي أول مرة في حياتي أشغل الغسالة وأغسل
ربنا يخليهالي أمي في مصر، فعلا، يا عيني عالأم وحنان الأم
بس أبوظبي بقى حاجة تانية
بقالي كام يوم شايل هم الموضوع ده
وعمال أأجل،وكمان مفيش وقت أوي وأنا بتحجج بالموضوع ده
بس المضطر يركب الصعب
النهاردة اتخذت القرار، ونزلت اشتريت مساحيق غسيل،وأنا راجع من الشغل (أيوة النهاردة الجمعة وراجع الساعة 11، ظلم الرأسمالية بقا) وكلمت واحدة بتشتغل معايا أسألها أجيب مسحوق إيه، ورجعت على الأوضة قريت دليل المستخدم بتاع الغسالة، وحطيت الحاجات، وأهي شغالة دلوقتي،ادعولها بالسلامة
إن شاء الله لو الأمور مشيت كويس هكلم أمي أقولها
وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، إن الإنسان لظلوم كفار
النعمة الواحدة، لا تحصى
ملحوظة: أرجو ألا تدور التعليقات في هذا الموضوع حول نفس ما دارت حوله في التدوينات السابقة، وأتمنى أن تقتصر علي
1- التهاني بالغسيل الأول
2- الإطمئنان على حالة الغسيل بعد النشر
3- نصائح لمسحوق أفضل، نصائح حقيقية مش إعلانية من بتاعت جمع أربع أغلفة وابعتهم على ص.ب 109
4- أي حاجة تانية ليها دعوة بالغسيل، يعني الناس اللي بتغسل أموالها في تجارة مخدرات، الكلام اللطيف بتاع المزاج ده
5- نصائح للغسيل القادم، من حيث الكمية، الحاجات اللي تتحط مع بعض، والذي منه
6- أي حاجة تانية مالهاش دعوة بالإخوان ولا السياسة ولا عيلتي ولا ميكي ماوس البقال اللي كان جنب بيتنا وقفل مش عارف ليه
تحديث: الحمد لله، العملية نجحت، خلصت الغسلة الأولى بنجاح، عملت زي ما محمود سعيد قاللي بالضبط، نشرت:)

Tuesday, July 03, 2007

المستشار البشري...العقل الأكبر

أنا شفت كتير وقليل، بس مشفتش في حياتي إنسان في تواضع المستشار طارق البشري. المستشار البشري عنده من العلم والفهم للواقع أكثر من أي حد تاني، على الأقل أنا شايف كدة. وأنا أعتبر البشري فعلا أكبر عقل إسلامي معاصر، مع الاحترام والتقدير الشديدين للمفكرين الأجلاء جميعا رجل بهذا القدر وهذه المكانة ممكن أفهم إنه يكون متواضع فمثلا يعامل الناس كما لو كان مثلهم، أو يلبي لهم طلباتهم، بس المستشار البشري يذهب أبعد من ذلك بكثير، فهو أولا إذا طلبت منه موعدا يعتذر بشدة إذا أجله إسبوعا لانشغال جدوله، وإذا طلبت منه شيئا سعى لمساعدتك فيه أكثر مما تسعى أنت لمساعدة نفسك أذكر أن أحد الصحفيين الأصدقاء كان يكتب شيئا عن البشري، فأراد أن يقابله، فحكى لي بعد ذلك كيف أنه اضطر لإلغاء الموعد، وكيف أن المستشار كان ينسق معه موعدا آخر، ويعتذر إذا طلب الصحفي لقاء في موعد مشغول، يعتذر بحرج شديد وعلى أدب جم، حتى قال لي صديقي الصحفي (كنت عايز أقوله حضرتك اللي بتعمله ده بيحسسني إن أبويا وأمي معرفوش يربوني خالص، فبلاش الأدب والتواضع ده) ذات مرة، من سنتين تقريبا، كان عندي معه موعد، وانشغل فأراد تأجيله، فاتصل بي في المنزل ولم يرد أحد فترك رسالة نصها: (السلام عليكم، أنا طارق البشري أنا بس عايز أعتذر للأستاذ إبراهيم الهضيبي عن موعدنا الأربعاء، يا ريت الاستاذ إبراهيم يتصل بيا علشان نرتب معاد تاني، أنا آسف جدا على الاعتذار المتأخر، السلام عليكم) أنا كنت برة البيت، ولما أبويا رجع البيت وسمع الرسالة كلمني وقالي تعالى يا إبراهيم أنا عايزك، قلت له خير يا بابا، قاللي في حاجة غريبة أوي بتحصل، فضيلة المستشار البشري كلمك وسابلك رسالة يعتذر عن معادكو، وبيقول على نفسه طارق البشري، وبيقول عليك الأستاذ إبراهيم، في حاجة غلط أكيد)، طبعا بغض النظر عن موقف أبويا (اللي كان بيهزر) كلمات المستشار العفوية، في رسالة صوتية، تعكس مدى تواضعه المخجل الحقيقة وبشاشة وجه البشري هي الأخرى حكاية لوحدها، فهو يبتسم ليظهر من وراء الابتسامة قلب صاف ونفس صافية قلت في هذا الزمان، بس ده مش غريب على واحد يقول عنه خال والدتي (الذي هو صديقه) إن ضميره حي وأخلاقه سليمة ومنضبطة لدرجة إنه إذا عرضت عليه قضية تحكيم، وقرأها ودرسها ثم لم يسترح قلبه لحق أي من الطرفين أعتذر عنها ولم يصدر حكما، على الرغم من إن ده المستشار البشري، يعني محدش هيراجع وراه، وعلى الرغم من الخسارة المادية المترتبة على ذلك استقلاله في أحكامه مش حاجة جديدة، فالأستاذ الكبير الذي كان نائبا لرئيس مجلس الدولة كان دوما مستقلا، ولم تنجح أي ضغوط في التأثير عليه، فهو صاحب الحكم التاريخي بعدم أحقية الرئيس بإحالة المدنيين للمحكمة العسكرية في التسعينات، وهو صاحب الحكم التاريخي بشرعية قيام حزب على أساس إسلامي، وحيثيات الحكم تعتبر من أقوى الوثائق، وأعمقها وهذه الاستقلالية لم تعن للمستشار البشري أبدا الاعتداد بالرأي، بل كان العكس هو الصحيح، فإذا ذكر الرجوع للحق، وجرأة الاعتراف بالخطأ، كان لابد من ذكر فضيلة المستشار طارق البشري، الذي كتب مقدمة وصلت لحوالي 80 صفحة للطبعة الثانية من كتابة (الحركة السياسية في مصر 1945- 1953) ينقد فيها ما كتبه في الكتاب، ومنهجيته في كتابة التاريخ، وقد حكى لي عن هذا الأمر في زيارة زرتها له، فلم يجد حرجا في أن يتحدث إلى من هو أصغر من أبنائه، فيعترف بخطئه، ويقيم نفسه، ويشرح لماذا كان يفكر بهذه الطريقة، لماذا تغير أسلوب تفكيره، إنه العلامة المتواضع طارق البشري. لا أظن اليأس عرف طريقه لقلب البشري، بل إنه لم يكتفي برفض اليأس، فراح ينشر الأمل والرجاء، وليس الأماني، فكما يقول ابن عطاء الله السكندري: الرجاء هو ما قارنه العمل، وإلا فهو أمنية. راح ينشر الأمل والرجاء بكتابات يوضح فيها الطريق، ولم يكتبها أبدا للشهرة أو لأن الكتابة وحسب، فقد زرته آخر مرة قبل أيام من سفري وقال لي أنه لم يكتب منذ أشهر 9 لأنه لا يجد جديدا يقوله، وليس من عادته أن يكرر نفسه، فلا فائدة ترجى من هذا، ويرى أن الوقت وقت التنظيم والعمل لا وقت الكتابة والكلام، وقد أختلف مع ذلك، ولكن تلك من دون شك رسالة قوية من البشري، ودلالة واضحة على أهداف كتابته. وفي غير كتابته، فإن الأستاذ الكبير- أمد الله في عمره وبارك فيه- لا يكف عن بث الأمل في قلوب الاخرين، وسأذكر هنا موقفين، أولهما حين ذهبت إليه مرة وأنا محمل بالإحباط، من أحوالنا وأحوال البلد، ومن قبل ذلك من حالتنا الفكرية المتردية التي لا أرى معها أملا في الإصلاح، فاستمع إلى المستشار طويلا، وهو أعلم مني بصعوبة الوضع، ولكنه ابتسم بعد ذلك وقال لما سألته عن الحل، وقال (ضاقت فلما استفحلت حلقاتها، فرجت وكنت أظنها لا تفرج)، اشتدي يا أزمة تنفرجي، وقال (إنت عارف يا إبراهيم، من عشرين سنة تقريبا في شباب جم قعدو معايا واتكلموا في نفس الكلام ده) فسألت (وهم فين دلوقتي) فقال ضاحكا (اختفوا خلاص) ثم أضاف: بس أنا سعيد إنك بتتكلم في الأمور دي، ودي حلجة تعطي الأمل لا اليأس، لأن المشكلات التي تحدثت عنها لم تنته، ولما لم يأتني أحد من الشباب ليناقشني فيها خفت أن الشباب أصبح لا يرى هذه المشكلات أصلا/ ثم قال لي وأنا في طريقي للإنصراف وبعد أن شكرته على وقته واعتذرت للإطالة (والله يا إبراهيم أنا بفرح لما بشوفك، وبكون سعيد لما بشوف شباب صغير لسة محافظ على فكرته وهويته ووسطيته، ده في ذاته فشل للهجمة التغريبية اللي بقالها أكتر من سنة، فشل لأنها لم تنجح في جذبك أو وضعك في موقف دفاعي) خرجت وقد أصبحت هذه الكلمات من أهم ماسمعت في حياتي، كلمات بسيطة ولكنها جد معبرة؛ الموقف الوسط، بين أن أنجذب إلى المشروع التغريبي، وبين أن أقف في موقف دفاعي فلا أصلح وضعي، ولا أقبل النقد، ولا أتقدم وأتطور ذهبت إليه مرة وفي ذهني فكرة أريد أن أناقشه فيها، فلما انتهيت من عرضها ابتسم وقال: اكتبها يا إبراهيم، لا أدري لماذا لم أكن فكرت في كتابتها من قبل، ربما لأنني لا أظن أن بها جديدا يستحق أن يقال، المهم أنه أصر أن أكتبها، ثم عرضتها عليه، فأعطاني من وقته الثمين، وراجعها وناقشتها معه، ثم من علي بوقته وجهده مرة أخرى بأن أرسلها للنشر، وتحدث مع أحد الأساتذة الذين شرفت بمعرفتهم ليعرفني عليه ويطلب منه نشر المقال كل ذلك بدافع تشجيعي على عرض أفكاري وتطويرها، وهو لديه من المشاغل الكثير، لكنه تواضع العلماء، ورفق الكبار، وأخلاق المفكرين، ولهذا فعلى قدر حبي لأفكار المستشار وعمق كتاباته وتحليلاته فلا أزال أصر على أنني أحب فيه الإنسان قبل المفكر، وأنني أتمنى أن أتعلم منه الأخلاق قبل العلم، ولكن هذه لا تغني أبدا ن تلك وقد رأيت كثيرا من الناس يحمل هموم الأمة في قلبه، فيتحرك لها بالدعاء، ويبكي الدمع لما يسمع بما يجري في الأماكن المختلفة، ولكني لم أرى من يحمل هموم الأمة في عقله مثل العلامة البشري، فهي شغله الشاغل، ولا يمكن لي أن أتذكر حديث (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) من دون أن أتذكر فضيلة المستشار البشري كمثال على من اهتم بأمرهم دوره الفكري لم يمنعه من أداء دوره على الأرض لما اقتضت المصلحة ذلك، فشارك العام الماضي في وقفة القضاة الشرفاء، وكتب عنها في كتابه (مصر بين العصيان والتفكك) ما أبكاني لما قرأته، فأنا أشعر بأن لعقله قلب ينبض بالعاطفة، ولكنها عاطفة عقلية، لا عاطفة قلبية، فهي عاطفة تعي في باطنها الواقع، ومشكلاته، ولكنها لا تفقد الأمل فيما هو أفضل عاطفة تذكرك بكلمة الإمام البنا (ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة) من أجمل من كتب المستشار البشري (الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر)، و(ماهية المعاصرة)، و(منهج النظر في النظم السياسية المعاصرة لبلدان العالم الإسلامي)، و(الوضع القانوني بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي)، و(استقلال القضاة) و(مصر بين العصيان والتفكك)، و(الحركة السياسية في مصر 1945-1953، الطبعة الثانية) الذي لازلت أقرأه، و(بين الإسلام والعروبة)، وغيرها من الكتب القيمة، بالإضافة لمقالاته في المجلات والمواقع المختلفة المستشار البشري هو رجل بأمة، ولن يعترف أبدا بذلك لتواضعه ولو كتبت مجلدات عن البشري فلن أوفي حقه علي، فضلا عن أن أوفي حقه على الأمة ولكن أقل القليل هو أن أدعو بأن يبارك الله في عمره، وأن ينفع بعلمه وجهده، وأن يوفقه للخير، وأن ينفع به تلامذته ، ويوفقهم للتعلم منه، وأن يجزيه على جهده ووقته الخير كل الخير...اللهم استجب