Tuesday, July 03, 2007

المستشار البشري...العقل الأكبر

أنا شفت كتير وقليل، بس مشفتش في حياتي إنسان في تواضع المستشار طارق البشري. المستشار البشري عنده من العلم والفهم للواقع أكثر من أي حد تاني، على الأقل أنا شايف كدة. وأنا أعتبر البشري فعلا أكبر عقل إسلامي معاصر، مع الاحترام والتقدير الشديدين للمفكرين الأجلاء جميعا رجل بهذا القدر وهذه المكانة ممكن أفهم إنه يكون متواضع فمثلا يعامل الناس كما لو كان مثلهم، أو يلبي لهم طلباتهم، بس المستشار البشري يذهب أبعد من ذلك بكثير، فهو أولا إذا طلبت منه موعدا يعتذر بشدة إذا أجله إسبوعا لانشغال جدوله، وإذا طلبت منه شيئا سعى لمساعدتك فيه أكثر مما تسعى أنت لمساعدة نفسك أذكر أن أحد الصحفيين الأصدقاء كان يكتب شيئا عن البشري، فأراد أن يقابله، فحكى لي بعد ذلك كيف أنه اضطر لإلغاء الموعد، وكيف أن المستشار كان ينسق معه موعدا آخر، ويعتذر إذا طلب الصحفي لقاء في موعد مشغول، يعتذر بحرج شديد وعلى أدب جم، حتى قال لي صديقي الصحفي (كنت عايز أقوله حضرتك اللي بتعمله ده بيحسسني إن أبويا وأمي معرفوش يربوني خالص، فبلاش الأدب والتواضع ده) ذات مرة، من سنتين تقريبا، كان عندي معه موعد، وانشغل فأراد تأجيله، فاتصل بي في المنزل ولم يرد أحد فترك رسالة نصها: (السلام عليكم، أنا طارق البشري أنا بس عايز أعتذر للأستاذ إبراهيم الهضيبي عن موعدنا الأربعاء، يا ريت الاستاذ إبراهيم يتصل بيا علشان نرتب معاد تاني، أنا آسف جدا على الاعتذار المتأخر، السلام عليكم) أنا كنت برة البيت، ولما أبويا رجع البيت وسمع الرسالة كلمني وقالي تعالى يا إبراهيم أنا عايزك، قلت له خير يا بابا، قاللي في حاجة غريبة أوي بتحصل، فضيلة المستشار البشري كلمك وسابلك رسالة يعتذر عن معادكو، وبيقول على نفسه طارق البشري، وبيقول عليك الأستاذ إبراهيم، في حاجة غلط أكيد)، طبعا بغض النظر عن موقف أبويا (اللي كان بيهزر) كلمات المستشار العفوية، في رسالة صوتية، تعكس مدى تواضعه المخجل الحقيقة وبشاشة وجه البشري هي الأخرى حكاية لوحدها، فهو يبتسم ليظهر من وراء الابتسامة قلب صاف ونفس صافية قلت في هذا الزمان، بس ده مش غريب على واحد يقول عنه خال والدتي (الذي هو صديقه) إن ضميره حي وأخلاقه سليمة ومنضبطة لدرجة إنه إذا عرضت عليه قضية تحكيم، وقرأها ودرسها ثم لم يسترح قلبه لحق أي من الطرفين أعتذر عنها ولم يصدر حكما، على الرغم من إن ده المستشار البشري، يعني محدش هيراجع وراه، وعلى الرغم من الخسارة المادية المترتبة على ذلك استقلاله في أحكامه مش حاجة جديدة، فالأستاذ الكبير الذي كان نائبا لرئيس مجلس الدولة كان دوما مستقلا، ولم تنجح أي ضغوط في التأثير عليه، فهو صاحب الحكم التاريخي بعدم أحقية الرئيس بإحالة المدنيين للمحكمة العسكرية في التسعينات، وهو صاحب الحكم التاريخي بشرعية قيام حزب على أساس إسلامي، وحيثيات الحكم تعتبر من أقوى الوثائق، وأعمقها وهذه الاستقلالية لم تعن للمستشار البشري أبدا الاعتداد بالرأي، بل كان العكس هو الصحيح، فإذا ذكر الرجوع للحق، وجرأة الاعتراف بالخطأ، كان لابد من ذكر فضيلة المستشار طارق البشري، الذي كتب مقدمة وصلت لحوالي 80 صفحة للطبعة الثانية من كتابة (الحركة السياسية في مصر 1945- 1953) ينقد فيها ما كتبه في الكتاب، ومنهجيته في كتابة التاريخ، وقد حكى لي عن هذا الأمر في زيارة زرتها له، فلم يجد حرجا في أن يتحدث إلى من هو أصغر من أبنائه، فيعترف بخطئه، ويقيم نفسه، ويشرح لماذا كان يفكر بهذه الطريقة، لماذا تغير أسلوب تفكيره، إنه العلامة المتواضع طارق البشري. لا أظن اليأس عرف طريقه لقلب البشري، بل إنه لم يكتفي برفض اليأس، فراح ينشر الأمل والرجاء، وليس الأماني، فكما يقول ابن عطاء الله السكندري: الرجاء هو ما قارنه العمل، وإلا فهو أمنية. راح ينشر الأمل والرجاء بكتابات يوضح فيها الطريق، ولم يكتبها أبدا للشهرة أو لأن الكتابة وحسب، فقد زرته آخر مرة قبل أيام من سفري وقال لي أنه لم يكتب منذ أشهر 9 لأنه لا يجد جديدا يقوله، وليس من عادته أن يكرر نفسه، فلا فائدة ترجى من هذا، ويرى أن الوقت وقت التنظيم والعمل لا وقت الكتابة والكلام، وقد أختلف مع ذلك، ولكن تلك من دون شك رسالة قوية من البشري، ودلالة واضحة على أهداف كتابته. وفي غير كتابته، فإن الأستاذ الكبير- أمد الله في عمره وبارك فيه- لا يكف عن بث الأمل في قلوب الاخرين، وسأذكر هنا موقفين، أولهما حين ذهبت إليه مرة وأنا محمل بالإحباط، من أحوالنا وأحوال البلد، ومن قبل ذلك من حالتنا الفكرية المتردية التي لا أرى معها أملا في الإصلاح، فاستمع إلى المستشار طويلا، وهو أعلم مني بصعوبة الوضع، ولكنه ابتسم بعد ذلك وقال لما سألته عن الحل، وقال (ضاقت فلما استفحلت حلقاتها، فرجت وكنت أظنها لا تفرج)، اشتدي يا أزمة تنفرجي، وقال (إنت عارف يا إبراهيم، من عشرين سنة تقريبا في شباب جم قعدو معايا واتكلموا في نفس الكلام ده) فسألت (وهم فين دلوقتي) فقال ضاحكا (اختفوا خلاص) ثم أضاف: بس أنا سعيد إنك بتتكلم في الأمور دي، ودي حلجة تعطي الأمل لا اليأس، لأن المشكلات التي تحدثت عنها لم تنته، ولما لم يأتني أحد من الشباب ليناقشني فيها خفت أن الشباب أصبح لا يرى هذه المشكلات أصلا/ ثم قال لي وأنا في طريقي للإنصراف وبعد أن شكرته على وقته واعتذرت للإطالة (والله يا إبراهيم أنا بفرح لما بشوفك، وبكون سعيد لما بشوف شباب صغير لسة محافظ على فكرته وهويته ووسطيته، ده في ذاته فشل للهجمة التغريبية اللي بقالها أكتر من سنة، فشل لأنها لم تنجح في جذبك أو وضعك في موقف دفاعي) خرجت وقد أصبحت هذه الكلمات من أهم ماسمعت في حياتي، كلمات بسيطة ولكنها جد معبرة؛ الموقف الوسط، بين أن أنجذب إلى المشروع التغريبي، وبين أن أقف في موقف دفاعي فلا أصلح وضعي، ولا أقبل النقد، ولا أتقدم وأتطور ذهبت إليه مرة وفي ذهني فكرة أريد أن أناقشه فيها، فلما انتهيت من عرضها ابتسم وقال: اكتبها يا إبراهيم، لا أدري لماذا لم أكن فكرت في كتابتها من قبل، ربما لأنني لا أظن أن بها جديدا يستحق أن يقال، المهم أنه أصر أن أكتبها، ثم عرضتها عليه، فأعطاني من وقته الثمين، وراجعها وناقشتها معه، ثم من علي بوقته وجهده مرة أخرى بأن أرسلها للنشر، وتحدث مع أحد الأساتذة الذين شرفت بمعرفتهم ليعرفني عليه ويطلب منه نشر المقال كل ذلك بدافع تشجيعي على عرض أفكاري وتطويرها، وهو لديه من المشاغل الكثير، لكنه تواضع العلماء، ورفق الكبار، وأخلاق المفكرين، ولهذا فعلى قدر حبي لأفكار المستشار وعمق كتاباته وتحليلاته فلا أزال أصر على أنني أحب فيه الإنسان قبل المفكر، وأنني أتمنى أن أتعلم منه الأخلاق قبل العلم، ولكن هذه لا تغني أبدا ن تلك وقد رأيت كثيرا من الناس يحمل هموم الأمة في قلبه، فيتحرك لها بالدعاء، ويبكي الدمع لما يسمع بما يجري في الأماكن المختلفة، ولكني لم أرى من يحمل هموم الأمة في عقله مثل العلامة البشري، فهي شغله الشاغل، ولا يمكن لي أن أتذكر حديث (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) من دون أن أتذكر فضيلة المستشار البشري كمثال على من اهتم بأمرهم دوره الفكري لم يمنعه من أداء دوره على الأرض لما اقتضت المصلحة ذلك، فشارك العام الماضي في وقفة القضاة الشرفاء، وكتب عنها في كتابه (مصر بين العصيان والتفكك) ما أبكاني لما قرأته، فأنا أشعر بأن لعقله قلب ينبض بالعاطفة، ولكنها عاطفة عقلية، لا عاطفة قلبية، فهي عاطفة تعي في باطنها الواقع، ومشكلاته، ولكنها لا تفقد الأمل فيما هو أفضل عاطفة تذكرك بكلمة الإمام البنا (ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة) من أجمل من كتب المستشار البشري (الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر)، و(ماهية المعاصرة)، و(منهج النظر في النظم السياسية المعاصرة لبلدان العالم الإسلامي)، و(الوضع القانوني بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي)، و(استقلال القضاة) و(مصر بين العصيان والتفكك)، و(الحركة السياسية في مصر 1945-1953، الطبعة الثانية) الذي لازلت أقرأه، و(بين الإسلام والعروبة)، وغيرها من الكتب القيمة، بالإضافة لمقالاته في المجلات والمواقع المختلفة المستشار البشري هو رجل بأمة، ولن يعترف أبدا بذلك لتواضعه ولو كتبت مجلدات عن البشري فلن أوفي حقه علي، فضلا عن أن أوفي حقه على الأمة ولكن أقل القليل هو أن أدعو بأن يبارك الله في عمره، وأن ينفع بعلمه وجهده، وأن يوفقه للخير، وأن ينفع به تلامذته ، ويوفقهم للتعلم منه، وأن يجزيه على جهده ووقته الخير كل الخير...اللهم استجب

1 comment:

أيمن موسى said...

أخى الحبيب إبراهيم أنا أخوك أيمن موسى صحاب مدونة عاشق الحرية أنا حضرت محاضرة جميلة للمستشار طارق البشرى في صالون المقطم الثقافى الشهر الماضى كان عنوانها مصر إلى أين، مش عارف انت حضرتها ولا لأ؟ إذا أردت سماعها فأرسل لى